لماذا يحب الكثيرون "أسوأ عمل سينمائي ظهر على الإطلاق"

مصدر الصورة Olivia Howitt

لا يعتبر فيلم "ذى روم" (الغرفة) سيئا فحسب وإنما شنيعا في حقيقة الأمر. ولكن هذا العمل حقق رواجا كبيرا بين من باتوا يعشقونه إلى درجة العبادة، وهكذا فعل مُبتكِره الغامض أيضا، كما يقول الناقد السينمائي نيكولاس باربر.

ترى بماذا ستشعر إذا ما كرست نفسك - قلبا وروحا - لفيلم ما، ليتحول بعد ذلك إلى موضع للسخرية، باعتباره أبشع الجرائم التي ارتكبت بحق السينما في التاريخ؟ وترى كيف سيكون شعورك، إذا ما رأيت الحوار الذي كتبته للفيلم، وهو يُقابل بعواصف من الضحك؟ أليس جارحا أن تجد الناس في مختلف أنحاء العالم يصطفون لمشاهدة العمل، فقط لكي يتسنى لهم التهكم والسخرية، ومقاطعة حواره بالصيحات والشتائم، وأيضا لرشق الشاشة بما في أيديهم خلال العرض؟

ولكن تومي ويسو؛ مؤلف ومخرج ومنتج وبطل فيلم (الغرفة) يقول إن "ذلك لا يهم. في أسرتي بوسعك قول ما تريد، دون أن يكون ذلك شيئا ذا بال. ولكن أتعلم ما هو وجه المتعة في الأمر؟ هو أنه يتعين عليك أن تكون جديرا بالاحترام . لذا أنا أشجع الناس على التعبير عن أرائهم. هم يندهشون حيال ذلك، ولكنني أشجعه".

دار هذا الحديث بيننا، ونحن في دارٍ للسينما في العاصمة البريطانية لندن، التي شهدت مؤخرا سلسلة عروض لهذا الفيلم، بيعت كل بطاقات حضورها مسبقا.

وقبل بدء العرض، كان ويسو في بهو الفندق يوزع توقيعاته على معجبيه، ويسمح لهم بالتقاط الصور معه، ويبيع قمصانا قصيرة الأكمام، وملابس داخلية تحمل علامة تجارية مشتقة من اسمه.

وبينما قد يكون لدى هذا الرجل ذاك التشدق الغامض ذو الطابع الأوروبي، الذي يتسم به أشرار أفلام جيمس بوند، فإنه يبدو كما لو كان نجما مُسناً من نجوم موسيقى الروك عالية الإيقاع المعروفة باسم الـ"هيفي ميتال"، بشعره الطويل أسود اللون، ونظارته قاتمة العدسات، والصدرية التي يرتديها، وسرواله الجينز المُزين بسلاسل. كما أنه يُعامل مثل نجوم الروك بالفعل من قبل أناسٍ لا يستطيعون تصديق أنه هناك بالفعل في نفس "الغرفة".

غير أن لندن ليست البقعة الوحيدة التي يلقى فيها ويسو هذه المعاملة. يأتي ذلك رغم حقيقة أن فيلم "الغرفة" لم يحقق - عندما طُرح للمرة الأولى عام 2003 - سوى إيرادات محدودة، لا تكفي سوى لاعتباره فاشلا. مع ذلك، فقد خلق هذا العمل هوسا كبيرا بين مريديه الذين يهوونه إلى درجة العبادة، بفضل "جماهير" له من المشاهير، مثل الكوميديان الأمريكي بول رُد ومواطنته الممثلة والمغنية كريستِن بِل. فقد أقام هؤلاء المشاهير حفلات مشاهدة لأصدقائهم، لتنتشر هذه العادة، ويصبح "الغرفة" نموذجا أصيلا لما يعرف بـ"فيلم منتصف الليل" في إشارة إلى أفلام الدرجة الثانية، التي تُعرض في ذلك التوقيت سواء في دور السينما أو على شاشة التليفزيون. وهكذا باتت تُقام لهذا العمل عروض شهرية ذات طابع غوغائي وحافلة بالضجيج في مدن تقع بمختلف أنحاء أوروبا والولايات المتحدة.

مصدر الصورة Olivia Howitt
Image caption لاقى هذا العمل رواجا كبيرا بين من باتوا يعشقونه إلى درجة العبادة

وبالنسبة للمهووسين به، فإن "الغرفة" ليس عملا سيئا فقط، وإنما شنيعا على نحو كبير. فمنذ فيلم "بلان 9 فروم أوتر سبيس" (الخطة 9 من الفضاء الخارجي) للمخرج إد وود، ذاك المثال الصارخ للفشل والذي أُنتج عام 1959، لم يحظ عملٌ آخر بخلاف "الغرفة" بهذا القدر من التبجيل والتوقير لكونه محض هراء ليس إلا.

لكن الهوس بهذا الفيلم لا يزال "في طور الإحماء". فالمخرج والممثل الأمريكي جيمس فرانكو يعكف حاليا على إخراج وبطولة فيلم يحمل اسم "ذي ديساستر أرتيست" (الفنان الكارثة)، الذي يتناول بشكل ساخر، ما دار في كواليس فيلم (الغرفة)، وكيف تم إنتاج هذا العمل.

وفي فريق عمل الفيلم الجديد؛ ثلاثة من زملاء فرانكو، ممن رُشحوا للحصول على جائزة الأوسكار من قبل بدورهم، وهم شارون ستون وبرايان كرانستون وجاكي ويفر، وهو ما يعني أن بعضاً من أفضل الممثلين، يتظاهرون حاليا بأنهم الأسوأ، وهذه ظاهرة غريبة. لكن بالنظر إلى عدد الأفلام الرديئة المروعة التي تنتج شهريا، ما الذي جعل هذا الفيلم تحديدا يكون واجب المشاهدة؟

وصفة للكارثة

هناك ثلاثة عوامل تقف وراء ذلك؛ أولها الفيلم نفسه بطابعه العاطفي المفرط في مأساويته بشكل مؤلم وبشكل لا هزل فيه، ما يجعله - بلا ريب - مزيجاً بين عدم الكفاءة وسوء التقدير الكارثي.

فمن المربك أن تصوير العمل جرى كله تقريبا في شقة نمطية ومملة، لا بين جدران غرفة واحدة، كما يوحي اسمه.

وتتمحور أحداثه حول ليزا (جولييت دانييل)، تلك الشقراء العابسة المخطوبة لـ"جوني"، وهو رجل قوي البنيان، يعمل مصرفيا ويجسد شخصيته "ويسو" نفسه. رغم ذلك تنهمك الفتاة في إغواء أفضل أصدقاء خطيبها؛ ويُدعى مارك (ويجسد شخصيته غريغ سيستِرو). وبشكل متكرر بجنون على مدار العمل الذي يستمر 99 دقيقة، يُظهر لنا الفيلم ليزا وهي تشكو مرارا وتكرارا لأصدقائها ولأمها، من أنها لا تريد الزواج من جوني. يحفل الفيلم بمشاهد جنسية طويلة، يبدو كأنها ذات طابع عقابي، بجانب حبكات ثانوية متنوعة، لا تلبث أن تُطرح من جانب صناع العمل، حتى تُنسى على الفور. ففي أحد المشاهد، يصوب تاجر للمخدرات سلاحه باتجاه أحد أصدقاء جوني، وفي مشهد آخر، تتطرق والدة ليزا خلال حديث ما إلى أنها مصابة بسرطان الثدي، ولكن أياً من هذين التطوريّن المثيريّن لا يجد له ذكرا بعد ذلك في العمل على الإطلاق، فـليزا تبدو شديدة الانهماك، في تكرار التأكيد على أنها لا تريد مواصلة علاقتها بجوني.

مصدر الصورة Olivia Howitt
Image caption يحتوي الفيلم على خمسة مشاهد جنسية طويلة للغاية

وبعيدا عن بنية الفيلم، فإن طبيعة إنتاجه تجعله أشبه بفيلم إباحي، معتدل في مشاهده الجنسية قليلا، وسخيفا في الوقت نفسه على نحو غير عادي. أما الحوار فيمكن أن يكون قد تُرجم بواسطة الكمبيوتر من أي لغة أخرى. وإذا تحدثنا عن الأداء التمثيلي؛ بكل تقطيبات الممثلين وسكتاتهم وضحكاتهم العشوائية، فسنجد أنه جاء من قبيل ذاك الذي كان يحاكيه الممثل مات لِبلانك ساخرا، خلال مشاركته في بطولة المسلسل الشهير "فريندز" (أصدقاء).

رغم ذلك، فلم يكن من بين ممثلي العمل، من هو أكثر مبالغة في أدائه إلى حد يبعث على النوم من بطله تومي ويسو، بسمات الترف التي تبدو عليه، والسباب الذي كان يخرج منه بلكنة ثقيلة، تشبه تلك التي كانت تجري على لسان الكونت دراكيولا، في الأفلام التي أظهرت هذه الشخصية، وهو ما جعل ويسو أبعد ما يكون عن التجسيد المقنع لشخصية شاب يعمل في مصرف.

ولكن فظاعة العمل لن تكتسب طابعها المثير بشدة للاهتمام كاملا، دون التطرق للعامل الثاني، الذي جعل له تلك المكانة في عيون مهووسيه بل ومتعبديه، ألا وهو التفاصيل الخاصة بكيفية تنفيذه. ربما تتصور أن ميزانية الفيلم تتراوح ما بين 50 سنتا و14.85 دولارا لا غير، ولكنها بلغت في الواقع ستة ملايين دولار. فالفيلم صُوّر على مدى ستة أشهر في مكان مُعد للتسجيلات الصوتية شديدة النقاء في لوس أنجلوس، رغم أنه يبدو وكأنه نُفذ على عجل خلال عطلة نهاية الأسبوع بشقة أحد الأصدقاء. وقد لا يصدق أحد أن ويسو استوحى القصة عن رواية مؤلفة من 500 صفحة، وصور العمل بكاميرا سينما وكاميرات فيديو رقمية بشكل متزامن. كما أنه استبدل فريق العمل من الفنيين أربع مرات وفريق الممثلين ثلاثاً، فضلا عن إهداره أموالا طائلة على الإعلان عن الفيلم على لوحة إعلانات تذكارية قبيحة.

وقد لفتت التقارير الخاصة بعملية إنتاج "الغرفة" الانتباه، وهو ما حدا بصاحب الدور الثاني فيه، الممثل سيستِرو، إلى كتابة مذكراته في هذا الشأن وهو ما سيدمج في أحداث فيلم "الفنان الكارثة".

أما العامل الثالث الذي يقف وراء "نجاح" فيلم "الغرفة"، فيتمثل في ويسو نفسه، الذي تكتنف شخصيته الغموض على نحو نادر من نوعه، في حقبة بات فيها المشاهير كتابا مفتوحا أمام المعجبين بهم. فقد أخبرني الرجل بأنه "في الأربعينيات" من عمره (وهو غير صحيح بوضوح). كما أشار إلى أنه "وُلد في أوروبا قبل سنوات طويلة" ونشأ في مدينة نيو أورلينز الأمريكية، وأن والديّه قدما من "فرنسا أو ألمانيا أو بولندا .. أيا ما كان". وبحسب ادعائه، فقد عمل في مجاليّ الأزياء والعقارات، قبل أن يحاول تحقيق أحلامه في عالم الشهرة والأضواء.

جنون منتصف الليل

وبقدر الغرابة التي يكتسي بها حضور ويسو على الشاشة، وبشكل لافت للانتباه، تتسم شخصيته نفسها بغرابة الأطوار إلى حد كبير. فهو ببساطة لا يرى أن ثمة خطأ يشوب فيلم "الغرفة"، وبذات القدر يستمتع بالمشاركة في الاستهزاء به.

ويقول في هذا الشأن: "لم أصف (الغرفة) قط بأنه الفيلم الأسوأ. هذا أولاً. ثانيا، لم اعتبره قط بمثابة محورٍ لهوس له مريدوه ومتعبدوه. لكن عندما رآه الناس كذلك، حَسِبْتُ ذلك مديحاً".

ولكن ما يميز ذاك الهوس بـ"الغرفة"، عن نظيره الذي تحظى به أفلام "منتصف الليل" الأخرى، هو الطابع القاسي الذي يتسم به. فعشاق فيلم مثل "ذى روكي هورور بيكتشر شو" يهيمون بمزيجه المتألق من الجنس والخيال العلمي وموسيقى الروك أند رول. أما محبو فيلم "إل توبو" فقد أُخِذوا بالرؤية التي طرحها مخرجه إليخاندرو خودوروسكي، بشأن تعاطي عقاقير الهلوسة أو الرموز المجتمعية والثقافية المتعلقة بتعاطي مثل هذه المخدرات. وحتى فيلم "الخطة 9 من الفضاء الخارجي" فقد ظل عالقا في الأذهان بفضل تأريخه لصورة الولايات المتحدة في خمسينيات القرن الماضي. الأمر يختلف بالنسبة لـ"الغرفة"، الذي تبدأ جاذبيته وتنتهي في مدى الإثارة الرخيصة الكامنة فيه.

رغم كل هذا وذاك، ففي ليلة السبت تلك، التي ظهر فيها ويسو في دار سينما "برينس تشارلز" بلندن، عومل الرجل باعتباره بطلا فاتحا.

وعندما حدثته في الصباح التالي، وجدته مفعما بالارتياح والإيجابية والدماثة.

ففيلم "الفنان الكارثة" الذي يسخر من عمله "الغرفة" لا يزعجه البتة، ناهيك عن أنه يعتبر أن مذكرات سيستِرو "دقيقة بنسبة 40%" فحسب.

كما يقول إن ثمة "رابطا" بينه وبين فرانكو - مخرج "الفنان الكارثة" - باعتبار أن كلا منهما ممثل.

ويضيف بالقول إنهما "بصدد تطوير مشروعات معينة معا، وهذا هو المسار الذي أمضي عليه حاليا في هوليوود".

إذن هل يمكن أن يشكل فيلم "الفنان الكارثة" بداية جديدة؟

يرد ويسو قائلا "أجل، الغرفة ظل مصدر البهجة والمتعة لـ 13 سنة، ومن المأمول أن نحظى بـ 13 سنة أخرى. لكن بيت القصيد أنني أريد إنجاز مشروعات أخرى مع أناس آخرين. فالكثير من الناس في هوليوود، صفوة هوليوود كما نُطلق عليهم، يُكِنون احتراما لتومي ويسو".

وليس بوسع المرء لوم هؤلاء، فالطريقة التي حوّل بها ويسو فشلا ذريعا إلى نجاح يغير مجرى حياته، رائعة على نحو غريب.

ويقول ويسو: "إذا ما ضحيت وآمنت بما ابتكرته، فسوف يُؤتي ثمارا في نهاية المطاف".

ولكن ألم يكن من الأفضل أن يروق فيلم "الغرفة" للناس لأنهم يرونه عظيما، ليس لكونهم يعتبرونه مزعجا ومروعا؟

يرد ويسو، وهو يكتم ضحكاته بالقول، إن الجزء الأول من السؤال هو أمر مثالي. ويمضي قائلا: "لكن في المقابل، هل تريد أن تقدم فيلما يُعرض لعام واحد، أو أن يظل معروضا لـ 13 سنة؟ هذا ما هو الحال عليه، ولذا تتعايش معه. وهي حالة فريدة من نوعها".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة