فيلم "كتاب الأدغال": هل تقدم النسخة الجديدة أي قيمة فنية؟

مصدر الصورة UniversalPR

لا شك في أن النسخة الجديدة التي أعدها المخرج جون فافرو من فيلم "كتاب الأدغال"، وهو فيلم رسوم متحركة كلاسيكي أُنتج عام 1967، تمثل عملا مدهشا من الوجهة التقنية، ولكن هل يُحسّن ذلك من المستوى الفني لهذا الفيلم؟ الناقد السينمائي نيكولاس باربر يعرض رؤيته الفنية للفيلم.

طوال أحداث النسخة الجديدة من فيلم ديزني "كتاب الأدغال"، يتكرر سؤال مفاده: هل ينتمي بطله الصبي مُوكلي (يجسد شخصيته نيل سيتي) إلى قرية يعيش فيها أترابه من البشر، أم إلى برية توجد فيها أنثى الذئب التي تبنته (والتي تجسد أداءها الصوتي الممثلة لوبيتا نيونغو).

المفارقة أن الفيلم ذاته يعاني من مشكلة الهوية هذه نفسها؛ فهل هو عمل موسيقي أم لا؟ هل هو موجه لجمهور من الأطفال أم من الراشدين؟

وهل هذا العمل نسخة غريبة الأطوار من فيلم الرسوم المتحركة، الذي قدمته ديزني كذلك بنفس الاسم عام 1967 ولكنه يتضمن هذه المرة بين أبطاله بشرا من لحم ودم بجانب "أبطال كارتونيين"، أم أنه معالجة جديدة – ذات رؤية ناقمة وناقدة - لقصص الكاتب روديارد كِبلينغ خلال عامي 1894 و1895؟

وكما هو الحال مع ماوكلي، لا ينجح فيلم جون فافرو قط في تحديد موقفه بشكل حاسم.

رغم ذلك، فعلى المرء أن يضع في اعتباره أن هناك أمرا واحدا على الأقل واضحٌ بشدة، ألا وهو أن الفيلم الجديد يمثل عملا مدهشا من الوجهة التقنية.

فالفيلم يمثل نسخة بمواصفات القرن الحادي والعشرين من تلك المشاهد التي وردت في فيلم "ماري بوبينز"، ومُزج فيها بين ممثلين حقيقيين وأبطالٍ ومشاهد مُصممة بأسلوب الرسوم المتحركة.

وهكذا نرى أن النسخة الجديدة من "كتاب الأدغال" يضم ممثلين مثل الصبي الذي يجسد شخصية ماوكلي، جنبا إلى جنب مع حيوانات ومناظر طبيعية ثرية بالتفاصيل جرى إعدادها بواسطة الحاسب الآلي، ولكن ليس على الشاكلة التي تألفها كمشاهد.

ومن فرط الإتقان الذي جرى به تصميم الحيوانات، التي ظهرت في العمل بفرائها الكثيف وعضلاتها البارزة وعيونها المتألقة وآذانها دائمة الحركة، ربما ستحسب أن فافرو انتهك كل القوانين التي تُجرّم تعريض الأطفال للخطر، عبر زجه صبيا في الثانية عشر من عمره، في استوديو يضم أيضا مجموعة من الحيوانات البرية.

وهكذا يبدو لمن شاهدوا "كتاب الأدغال" ومن قبله فيلم "ريفينانت" (العائد)، أنه من الضروري أن يكون هناك دبٌ بين أبطال العمل السينمائي، حتى يتسنى لمشاهديه الاستمتاع بمشاهد مُعدة رقميا على نحو متطور للغاية، وذات مسحة واقعية تماما في الوقت ذاته.

"أقل مرحا وبهجة"

ولكن المشكلة التي يعاني منها "كتاب الأدغال" تتعلق في الأساس بأمر آخر ذي طابع تقليدي بشكل أكبر؛ ألا وهو السيناريو الخاص به، والذي يتلوى منتقلا من حدث لآخر، دون أن يكتسب قط السرعة، أو حتى أي قدر من التطور الموضوعي، الذي يتسم به فيلم معاصر له من إنتاج ديزني أيضا، وهو "زوتوبيا" (زوتروبوليس)؛ ذاك العمل الرائع الذي تظهر فيه الحيوانات مُجسمةً بالبعد الثالث.

فقد التزم فافرو وكاتب السيناريو الخاص بالفيلم جَستِن ماركس بالبناء الدرامي للنسخة الكلاسيكية الكارتونية من العمل، دون اكتراث بأن تلك النسخة لم يكن لها في الواقع مثل هذا البناء من الأصل.

مصدر الصورة AP

إذ نرى - كمشاهدين - صبيا ذا شعر أشعث طويل منسدل يرتدي مئزرا أحمر اللون، ربته الذئاب في غابة هندية قبل أن يُيمم بوصلته صوب الحضارة والمدنية في رحلة يقطعها على مهل بصحبة نمر عابس يُدعى "باغيرا" (يجسد أداءه الصوتي في النسخة الجديدة الممثل بِن كينغسلي).

وخلال الرحلة تنشأ علاقات صداقة متنوعة بين الصبي والعديد من المخلوقات ذوات الأربع.

وبطبيعة الحال فإن الاسترخاء الذي يتسم به النهج المتأني للفيلم، يشكل جزءا من السحر الهادئ الذي تكتسي به أعمال الرسوم المتحركة.

كما أن العمل يبدو في غير حاجة تقريبا لحبكة محكمة في ضوء ما خيم عليه من أجواء مرحة، بفعل شخصياته التي لا تنسى، وأغنياته التي تدفع سامعيها إلى مجاراة إيقاعاتها بأجسادهم.

لكن النسخة الجديدة من "كتاب الأدغال" أقل مرحا وبهجة بكثير من نسخته الكارتونية الكلاسيكية. فـ"ماوكلي" يظهر عادة وقد لطخته بقعٌ من الدماء، فيما يكسو الغموض والشر كل ما يحيط به.

كما أن النمر "شير كان" (يجسد أداءه الصوتي إدريس إلبا) هو خصم يشكل تهديدا شديد الخطورة على الصبي.

فهذا النمر، المصمم على أن يجعل ماوكلي وجبةً لإفطاره، يدمدم دائما بالقول إنه سيواصل تخويف وإرهاب عائلة الذئاب التي تولت تنشئة هذا الصبي، لحين عودته من رحلته المضنية والطويلة مع باغيرا.

وبينما لا يدرك ماوكلي – القابع على بعد أميال - أن سِفرته هذه تشكل خطرا على أحبائه في موطنه، يعرف المشاهدون ذلك، وهو ما يجعل المواجهات التي يخوضها والحوادث التي يمر بها، تبدو إهدارا للوقت على نحو مخيب للآمال، أكثر من كونها مغامرات مرحة لا تنطوي على أي مخاطر.

ولكن بعض هذه المواقف تبدو غير متسقة مع الأحداث بوضوح. فعندما يعبر ماوكلي الدروب مع قطيع من الفيلة ثم يحظى بعناق من ثعبان ضخم (تجسد أداءه الصوتي سكارليت يوهانسون)، تظهر علامات العجب والدهشة على الحيوانات، رغم عدم وجود مبرر درامي لمثل هذه المشاهد، سوى الإيماء إلى مشاهد مشابهة وردت في نسخة عام 1967.

الأكثر إمتاعا من ذلك، هو تلك المناوشة التي دارت بين الصبي وقرد من قردة الجبال يُدعى الملك لوي (جسد أداءه الصوتي كريستوفر ووكِن). وقد بدا هذا القرد وكأنه مزيجٌ بين شخصيتيّ فيتو كورليوني والكولونيل كرتز، اللتين سبق وأن جسدهما مارلون براندو من قبل.

كما أنه لأمر مبهج وممتع حتما، أن نستمع لصوت بيل مَري، المتشدق بالكلمات بفخامة، وهو يخرج من حنجرة الحيوان المتواطئ "بالو"، وهو دب من نوع "الدب الكسلان".

ولكن هذا الاختيار المتقن للممثلين الذين جسدوا الأصوات في العمل، لم يفلح كثيرا في مواجهة النمر الشرير "شير كان" والخطر الذي يهدد عصبة الذئاب التي تولت تربية ماوكلي.

مصدر الصورة universal pr

من جهة أخرى، فكما هو مفهومٌ بالنسبة لنا أن يُدرج فافرو أغنيتيّ "الضرورات المحضة"، و"أريد أن أكون مثلك" - وهما أفضل أغنيتين وردتا في النسخة الكارتونية للفيلم - في نسخته الجديدة، فإن من المفهوم أيضا أن يكون من قبيل الإفراط في الكرم أن نعتبر الخوار المتحمس الذي أصدره مَرّي ووكن، مجاراةً لموسيقى هاتين الأغنيتين، من قبيل الغناء الحق.

إذن فما هي الغاية من هذا العمل الذي يبدو كما لو كان جولة رائعة ومذهلة بين المناظر الطبيعية، ولكنها بلا هدف؛ إلا الوفاء بما التزمت به شركة ديزني من تحويل أعمالها الكارتونية إلى أفلام يشارك فيها ممثلون حقيقيون كذلك (ففيلم تنين بيت هو التالي على القائمة ثم يليه فيلم الجميلة والوحش).

بوسعي القول في هذا الشأن، إن الأمر لا يعدو سعي فافرو لإخراج عمل يبدو كما لو كان إحدى حلقات سلسلة أفلام "ستار وورز" (حرب النجوم) الشهيرة.

ففي النسخة الجديدة من "كتاب الأدغال" غابة يعمها الضباب تشبه مخبأ شخصية "يودا" في الجزء الخامس من سلسلة "حرب النجوم"، الذي يحمل اسم "إمباير سترايكس باك" (الإمبراطورية تنتقم).

كما أن هناك شخصيات ماهرة في النِجارة مُستوحاة من كائنات تدعى "إيواكس" ظهرت في الجزء السادس للسلسلة؛ "ريترن أوف ذي جَداي" (عودة جَداي).

فضلا عن ذلك، نجد في "كتاب الأدغال" الكثير من العمالقة التخيليين المُعدة صورهم بواسطة الحاسب الآلي، وكذلك وفرة من أصدقاء البطل الثرثارين.

أما السمة التي تبدو مستوحاة أكثر من غيرها من سلسلة "حرب النجوم"، فهي تلك المتعلقة بأولئك الأشرار ذوي الندوب الذين يطاردون بطلنا الشاب بين الغرف التي تغشاها الظلال وهم يزأرون بالقول "فلتستخدم الزهرة الحمراء ضدي مثلما فعل والدك" و"يمكن أن نحكم الغابة سويا".

وهو ما يبدو في حقيقة الأمر، كما لو أن القرد "الملك لوي" والنمر "شير كان" يحاولان إغواء ماوكلي للانضمام إلى الـ"دارك سايد"، وهو – بلغة أفلام "حرب النجوم" - الجانب المظلم مما يُعرف بـ"القوة"؛ وهو الاسم الذي يُعرف به حقل الطاقة الذي يربط ما بين كل الكائنات الحية في المجرة التي تدور فيها أحداث السلسلة.

أما وجه الشبه الآخر لأحداث "حرب النجوم"، فهو للأسف، ذاك المتعلق بكون ماوكلي بدا ساخطا ومهتاجا على نحو ما كانت عليه تقريبا شخصية "أنكين" في الجزء الأول من "حرب النجوم" الذي يحمل اسم "ذا فانتوم مينَس" (تهديد الشبح).

وليس هذا خطأ الصبي الذي جسد الشخصية، بقدر ما يعود لأنه كان يتعين عليه التلفظ بعبارات من قبيل "أظن؛ أنك لطيف على نحو ما" و"سَئِمتُ الفرار منك"، بلهجة يشوبها كل الضعف والشحوب ذوي الطابع الأمريكي، وهو طابع ليس مستمدا لا من قصص كبلينغ ولا من النسخة الكارتونية السابقة للعمل.

في النهاية، أصدقكم القول إنني وجدت نفسي في بعض أوقات الفيلم الجديد أقف في صف النمر الشرير.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة