فيلم "فرانتز" لأوزون: هل يمكن لكذبة مداواة جراح القلوب؟

مصدر الصورة Reuters
Image caption أوزون يتوسط بيير نيني وباولا بير

هل يمكن لكذبة أن تكون أكثر رفقا ورحمة من الحقيقة؟ هل يمكن أن تكون قصة مختلقة السبب في مداوة الجراح؟

هذه بعض الأسئلة التي يطرحها فيلم "فرانتز" للمخرج الفرنسي فرانسوا أوزون، الذي يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا لهذا العام.

الفيلم يغاير نهج أوزون في السنوات القليلة الماضية، ذلك النهج المتمثل في إخراج أفلام تحمل الكثير من السخرية والكثير من سمات أفلام وودي آلان، مثل فيلم "في المنزل" (٢٠١٢).

"فرانتز" دراما تاريخية اختار لها أوزون أن تكون بالأبيض والأسود، الذي تشمله أحيانا ومضات طفيفة من اللون. وثمة عناية فائقة بالصورة والموسيقى والأزياء في ذلك الفيلم الذي لا يتهاون مخرجه في أي من تفاصيله المهمة، التي تجعلنا نعيش بكافة جوانحنا داخل القصة وأجوائها.

وهذه أول مرة ينجز فيها أوزون فيلما بالأبيض والأسود، كما أن "فرانتز" أول عمل ناطق بالألمانية من أفلامه، ويتخلله بعض الفرنسية من آن إلى آخر.

تعود بنا أحداث الفيلم، ذي الصنعة الإخراجية العالية والتأثير النفسي الكبير، إلى ألمانيا بعيد الحرب العالمية. وفيه تصدى أوزون لمهمة ليست بالسهلة على الإطلاق، حيث يعيد إنتاج أو يقتبس بالكثير من التصرف، فيلم "أغنية مهد محطمة" (١٩٣٢) للمخرج الألماني الكبير إرنست لوبيتش.

على غرار نهجه في الكثير من أفلامه، يعتمد أوزون في "فرانتز" على بطولة نسائية قوية، ويناقش العديد من القضايا التي يعود إليها مرارا في أعماله مثل الملاذ الذي يمثله الفن والخيال في وقت الشدائد والأزمات. وفي عالم تسوده الحروب، يقدم لنا أوزون في فيلمه هذه الصورة بالغة العذوبة، ويدعو ألد الأعداء للتعايش والغفران، إذ أن لأطراف أي نزاع أحبابهم الذين قضوا في الحروب.

يبدأ الفيلم في قرية ألمانية صغيرة بعيد الحرب العالمية بشابة ألمانية جميلة يرتسم على وجهها ذلك الحزن الرومانسي الرقيق. الفتاة تُدعى آنا (باولا بير) وتحمل باقة من الزهور لتسجيها على قبر خطيبها فرانتز، الذي يحمل الفيلم اسمه، والذي قتل في الحرب.

تلحظ آنا وجود باقة زهور جديدة على قبر خطيبها أسجاها شاب ينتحب، لم يكد يلمحها حتى توارى عن الأنظار سريعا.

تعود آنا إلى منزل الدكتور هوفمايستر وزوجته ماغدا، وهما والدا فرانتز، اللذين فقدا ابنهما الوحيد برصاص جندي فرنسي في الحرب. وقد انتقلت آنا للعيش معهما، لعل أن يكون في ذلك مواساة للأبوين المكلومين وللشابة التي فُجِعت في حبيبها.

تقص آنا قصة هذا الغريب المتواري عن الأنظار والذي ينتحب على قبر فرانتز، وتبدأ الأسرة الصغيرة، التي تتشبث بأي رائحة أو ذكرى للحبيب الفقيد، في التساؤل عن هويته: ترى هل كان من أصدقاء فرانتز في باريس، التي كان يدرس فيها قبل الحرب؟ ولا نعرف هوية هذا الشاب على وجه اليقين إلا بعد مرور نحو ساعة من الفيلم.

وهذه المعرفة المؤجلة لحقيقة هوية الفرنسي الزائر تأتي لغرض هام، فأوزون يريدنا أن نقترب منه رويدا رويدا وأن نتعاطف معه ونتماهى مع آلامه قبل أن نعرف من هو.

تتخذ الأمور منحى أكثر تعقيدا، وأكثر قربا إلى نهج أوزون السردي، عند قدوم ذلك الشاب الفرنسي المدعو أدريان (بيير نيني) إلى بيت الدكتور هوفمايستر، الذي هو في نفس الوقت عيادته، ويظن الأب المكلوم أن ذلك الفرنسي، ذلك الذي يأتي من بلد العدو الذي قتل ابنه، يريد العلاج على يديه، فيطرده حاملا صورة ابنه قائلا إنه لن يعالج قتلة ابنه.

لكن الأم وآنا تكونان أكثر رأفة بالفرنسي الغريب الذي يصر رغم طرده أن يتحدث مع أسرة فرانتز. ويرق قلب الأم والخطيبة للدموع التي يذرفها ادريان على فرانتز.

رويدا رويدا، ترحب الأسرة بجميع أفرادها، حتى الأب، بادريان الذي يقص على الجميع كيف التقى فرانتز أثناء دراسته في فرنسا وكيف اجتمعا على حب الفن، ويقص لهم تفاصيل زيارتهما لمتحف اللوفر سويا، وعن تلك اللوحة التي أحبها فرانتز على وجه الخصوص في المتحف.

الجزء الأول من الفيلم باللونين الأبيض والأسود، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بذلك الحنين إلى حقب مضت وإلى أفلام وأجواء سينمائية مضت. يُكسر الأبيض والأسود بومضات من اللون، مثلا عندما يتذكر ادريان زيارة اللوفر مع فرانتز، وكذلك في لحظات الحنين من المكلومين جميعا لزمن ما قبل الحرب عندما كانت القلوب مفتوحة على البهجة والألوان.

ومع اشتداد أواصر الصداقة بين ادريان وأسرة فرانتز، تلك الأسرة التي تبدأ في اعتباره عوضا أو امتدادا للإبن الفقيد، ومع الحب الحقيقي الذي يشعر به ادريان لهذه الأسرة ولآنا، يقرر ادريان البوح بحقيقته لآنا.

بعد أن نحبه جميعا كمشاهدين ومتلقين للفيلم، يبوح ادريان لآنا بمفردها بأنه هو من قتل فرانتز في خندق من خنادق الحرب خوفا منه، وأن فرانتز الذي بدا خائفا مسالما أيضا كان يحتفظ في جيبه وقت موته برسالة يعتزم إرسالها لخطيبته، موضحا أنه عرف من الرسالة عنوان الأسرة، وجاء لطلب الصفح والغفران ولكنه لم يقو على إطلاع الأسرة على حقيقته.

لعل بعض الحقائق من الأفضل لها أن تبقى سرا، ولعل الكذب وعدم نكأ الجراح هو الحل الأفضل في مجتمع يحاول أن ينسى فجيعة مقتل الآلاف من شبابه في الحرب. ولعل المغفرة ومحاولة الصلح دون النبش في الماضي هما ما يعيدان العلاقات والسلام بين دول كانت ألد الأعداء في القتال.

ولهذا فإن آنا، التي أصبحت شريكة في سر ادريان، تقرر أن تواصل الكذبة وألا تبلغ والداه بحقيقة زائرهما الفرنسي الذي أحباه كابنهما. بعد عودة ادريان لفرنسا إثر اعترافه بحقيقته، تأخذ آنا على عاتقها أن تواصل الكذبة أو القصة المتخيلة التي ارتاحت لها قلبا الأبوين. وبدلا من الخطابات المليئة بالاعتذار والألم التي يرسلها ادريان من فرنسا، تقرأ آنا على الأسرة رسائل مُتٓخٓيلٓة عن حياة ادريان في فرنسا، وعن عودته لعزف الكمان ضمن أوركسترا باريسي شهير.

وتبقى المعضلة الأكبر هي معضلة آنا، التي تحمل على عاتقها عبء الحقيقة، والتي تقرر استمرار الكذبة رأفة بأسرة فرانتز. ويبقى قدر آنا أقسى الأقدار جميعا وأصعبها، فقد شاءت الأقدار أن تحب قاتل خطيبها وأن تستمر في حبه حتى بعد معرفة الحقيقة.

وبعد انقطاع في رسائل ادريان تقرر الأسرة الألمانية القلقة على الشاب الفرنسي الذي أصبح بمثابة ابنها أن ترسل آنا للبحث عنه.

وهناك في فرنسا تدرك آنا وندرك نحن الجانب الآخر من القصة. في ألمانيا شهدنا فجيعة الألمان في أبنائهم، وفي فرنسا نشهد فجيعة الفرنسيين في أبنائهم. لا منتصر في الحرب والجميع يعتريهم الألم، لذا فالحل الأفضل هو محاولة المغفرة وعدم نبش جروح الماضي.

لعل الخيار الأفضل الذي يطرحه أوزون في محاولة للوصول إلى السلام النفسي والسلام بين الدول الأعداء هو نبذ النعرة الوطنية القومية، تلك النظرة التي تنظر إلى هذا بوصفه فرنسيا وذاك بوصفه ألمانيا، وتبنى فكرة إنسانية أسمى وهي أن الجميع في الحروب ضحايا وأن الجميع بشر يمكن أن تجمع بينهم أواصر الحب والصداقة والإنسانية التي تسمو فوق الخلافات.