نظارة حمراء... و حذاء ُطفلٍ بشريطة وردية!

مربِك أحيانا أن تتجاوز العينُ المتسعة إلى أقصاها تفاصيلَ كثيرة لتجمد زمانها اختيارياً عند أشياء قد لا تبدو بالنسبة للأخرين الأكثر أهمية..

وسط ضجيج و لوعة و صراخ.. تحجرت عيني على صورة نظارة حمراء وحذاء مموه صغير..

قطع الخشب المتناثرة و لون الأرضية الأميل إلى أحمر قان كفيلة أن تلفت أي انتباه، لا جدل، لكن قلبي تناثر وتفتت لذات النظارة وذات الحذاء..

في الأغلب حذاء كان يخطو في زيارته الأولى إلى هنا.. و نظارة على صلة قرابة به كانت تقرأ صفحات من كتاب مقدس قبل أن تتحطم..

الخبر المجرّد: انفجار في الكنيسة البطرسية الملاصقة للكاتدرائية المرقسية في قلب القاهرة.. مصر..

خبر بدأ مجرداً، وبدأ بعده تعداد الضحايا المتصاعد الأليم..

خمسة.. فسبعة.. فستة وعشرون..

الصور تتوالي..

وإذا كنت ألتزم يقينا بما أنشره كصحفي من فيديوهات وصور.. فلا شيء يحمينا نحن وفقا لمهنة أعتدنا على مصاعبها من مشاهدة أقسى تلك اللقطات دون رقيب..

قطع الأثاث الممزقة.. زجاج مهشم..

و الأعمدة البيضاء افتراضيا والتي استحالت حمراء رغم إرادتها..

راهبة بملامح مصرية قحة وزي رمادي متقشف بسيط.. و صليب جلدي يمتد طولا إلى خاصرها متدلى على صدر يصعد.. يهبط.. ينهج... رغم أنها لا تتحرك..

سيل دموع.. واحدة تلو الأخرى..

و سيل صور ألتُقطت للمرأة الثكلى من كل زوايا الكون.. تقفز لمحرك بحثي من كل مواقع الدنيا..

ذات الراهبة الفاقدة النطق الحاضرة الدمعة..

و فور أن استجمعت التركيز وغردت على موقع تواصل اجتماعي أنقل الحدث لمن لا يعلم، جاء الرد من أحد متابعيّ بالحرف يقول: كنيسة قديسين ثانية..

أعادتني التغريدة وصاحبتُها تدعى ميرا ماجد.. لا أعرفها ولم ألتقيها أبداً.. لكنها أعادتني بكل ما أوتت من قوة إلى 2011..

تحديداً للفجوة التي تفصل بين 2010 والسنة التي كانت في حينه لازالت في المهد..

بعد عشرين دقيقة من حلول سنة كان الكل يتفائل كما العادة بقدومها.. في الإسكندرية مسقط رأسي.. في كنيسة القديسين.. إنفجارٌ كبير يقتل واحدا وعشرين شخصاً..

أتذكر الحدث جيداً لأنني كنت يومها على الهواء في يوم دوام ظننته سيكون هادئاً متفائلاً كما غيري بعام قد يأتي بخير.. البدايات لم تعني ذلك أبدا!

يومها أستمريت و الزملاء على الهواء مباشرة في متابعة حية لما يدور في الإسكندرية ومحيط الكنيسة..

و كم يشبه اليومُ البارحة ونخشي ولا نتمنى أن يشبها الغد...

ذات الأعمدة البيضاء مجازاً.. ذات اللوعة..

صدقت ميرا..

صدقت وأعادت ذهني لعدة أحداث كانت تستهدف مسيحيين في مصر..

أكبر تجمع للمسيحيين في الشرق الأوسط موجود في هذا البلد.. 10% تقريبا من مجمل السكان البالغين 90 مليون..

أعادني ما قالته ميرا لبعض الأحداث قرأتها في كتب تاريخ أو عايشتها صغيراً أو حتى بعد العمل كصحفي..

أحداث الخانكة 1972، الزاوية الحمراء 1981، الكشح 1999، وصولا إلى ماسبيرو 2011،

كل مرة ذات السؤال.. هل نحن أمام فتنة طائفية لعن الله ألف مرة من يفكر أن يوقظها؟ أم أمام تقصير أمني.. و أيادٍ تختبئ.. و نظرية مؤامرة تتهم الكل ولا تستثني أحدا..

مرت التواريخ في ذهني وعيني تتابع.. و القلب مازال مجمداً عند حذاء ملقي بلا اكتراث وشريط وردي حوله.. لا يلتفت إليه أحد.. أخر مرة سيلبس..

و ذات النظارة الحمراء التي لن تقرأ بعد نهارنا هذا قداسا..

نفس الثمن الباهظ يدفعه المدنيون دماءاً..

ثم بمحض الصدفة أجد رجلا ملتحيا في تسجيل يستصرخ حشداً بجوار سور الكنيسة أن يذهبوا من أجل التبرع بدماهم..

يصرخ فيهم..

هيا هلموا .. يعطي بيانات المستشفى..

و الكل تجاوب.. أو قل الأغلب..

بعض الاطمئنان لنفسي تسرب..

لكن تبقي مئات الأسئلة معلقة..

بعض الأسئلة عن ما صار.. عن التوقيت.. عن التقصير.. عن شهادات من كان هناك..

عن تفجير الكنيسة البطرسية نتحاور في نقطة حوار الإثنين 16:05 بتوقيت غرينتش.. سأكون في انتظار آرائكم وشهاداتكم بكل أذان تصغي..