الوجوه قد تُصبغُ رماديا أيضا !

لا يحتاج الوجه الحزين لماء كي يكشف عن هوية صاحبه المستترة..

الماء رفاهية مقطوعة بالمجمل على أية حال..

وجه ٌحلبي ذو سنوات لا تتخطى الخمس، لكنه تجاوزها بواقع ِ و بمقدارِ ما لمحت عيناه، يتطلع بذهول للعدسة، ويحمّلها عبر الصور رجاءاً.. أطفالٌ مثل هذا الوجه - قد لا يعلم أحدٌ في العالم بعد وفاة الأهل اسمه - لكن الكل في تمام يقين أن المذكور وُلد و لم يعرف في العالم سوى رماديته المكتملة..

سأسميه غسان، ولقد أُخبرت أنه من أكثر الأسماء شعبية في حلب و لهذا اخترته. جيل غسان ُولد بعد اندلاع الصراع في بلده سوريا. بالنسبة له مولود ٌ في رحم الحرب؛ القصف طبيعي.. و هروبه منه إن استطاع إليه سبيلا أكثر واقعية.. الجوع ُوفقا لصديقي كذلك ليس غريبا..

فالقصف الممتد كثيرا طال أفران الخبز التي كانت تنشر رائحة الدفء بين طرقات شوارعه .. المخبز لا يجد طحينا و إذا وجده لا يجد وقودا كي يخبز ..

الأمم المتحدة للتو تقول إن مئةً من أمثاله من الأطفال محاصرون داخل مبنى يتعرض لهجوم و ما عادوا يتواصلون مع أحد من أهلهم..

توجه نداءات تتوالى أن يَشقَ قادرٌ في قلب المأساة ممرا آمنا كي يخرجوا منه..

و في ذات اليوم، الأمم المتحدة تقول كذلك إن لديها قرائن أن مجموعات موالية للحكومة قتلت اثنين وثمانين مدنيا في منطقة ضمن ما تم استرداده في شرق حلب والحكومة على لسان مسؤولين كُثر تنفي تماما..

اثنان و ثمانون، منهم إحدى عشرة امرأة وثلاثة عشر طفلاً، في واقعة قالت عنها الجامعة العربية على لسان أمينها العام إن رائحة الانتقام منها تفوح..

منذ أيام قد تبدو قليلة لكنها في عمر من حُوصر دهرا، وأنا أتابع نداءات استغاثة تأتي من داخل شرق حلب.

عبر تغريدة.. أو فيديو.. أو حتى مقال..

الباقون في الأحياء الشرقية من المدنيين يُقال إنهم على أهون تقدير ثمانون ألفا والجزء المتبقي في حوزة قوات المعارضة والجماعات التي تعمل في معسكرها قد لا يتجاوز أربعة كيلومترات مربعة.

و الإفادات التي تأتي من هذا المربع الضيق الصغير، و في كل مرة تكون مذيّلة بملحوظة أنها قد تكون الإفادة الأخيرة قبل الموت، جميعها يتحدث عن أوضاع لا يجوز أن توصف بالإنسانية..

برد قارس.. أطراف تتجمد..

جوع مؤلم..

و إصاباتٌ رغم بساطتها تصبح قاتلةً لأن القدرة على الإسعاف في الحد الأدنى ولّت.. ذهبت..

صورٌ لعوائل تتنقل من بقعة لأخرى وكأنها تسعى جاهدة لتأخير قرار الموت.. من تلك البقعة التي تُقصف.. إلى بقعة على بعد أمتارٍ قد تصبح هدفا محتملا..

صورُ عجائز على عربةِ نقل بضائع يدوية تسير بعجلات أربع توشك أن تتهاوى..

صورُ الزوج الذي يحمل طفلا أو أكثر و يُعين الزوجة التي فقدت طرفا كي تمشي..

استغاثاتٌ تبدو رسالة من عالمٍ آخر فيه الشعرة بين الواقع و محض خيالي قد قُطعت..

و العودة إلى صورة غسان صديقي قد تفرض عودة لما قبل تاريخ ميلاده بقليل..

حلب كانت أكبر مدن سوريا.. كانت مركزاً صناعياً وتجارياً لا يخفى على أحد..

القلعة التاريخية.. البوابة القديمة.. الأسواق.. الخانات والجامع الأموي.. فقط جزءٌ من روعتها..

في ربيع 2011، بعد أسابيع من اندلاع الاحتجاجات ضد النظام السوري - و هكذا كانت مازالت تـُصنف حينها - خرجت تظاهرات طلابية في المدينة تمت مواجهتها.. و بمرور عام أو زد قليلا .. في يوليو تموز 2012 تحديدا تغيرت الصورة..

وقع الجزء الشرقي منها تحت سيطرة مجموعات مسلحة تـُنسب للجيش السوري الحر ، لتتحول حلب إلى قصة مدينة بجزئين قُسمت إجباريا..

غرب مازال تحت سيطرة الحكومة السورية.. و شرق بات تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة..

2013 بدأ قصفُ شرق المدينة ببراميل متفجرة، ثم 2015 دخلت روسيا على خط الغارات الجوية داعمة للنظام السوري في مواجهة الطرف الآخر ..

ثم مؤخراً، قبل حوالي الشهر أو أكثر، بدأت القوات النظامية تستعيد السيطرة على شرق المدينة رويدا..

الآن كما يُقال في إفادات أخرآ، 97 % من هذا الجزء عاد إليها.. و بقي مربعٌ محدود أطلّ منه وجه غسان علي في صورة صحفية ..

وجه سنحاول قدر استطاعتنا أن نستمع لأمثاله عبر نقطة حوار الأربعاء الساعة 16:06 غرينتش وحديث موجع عن الوضع الإنساني في شرق حلب.. أتمنى تلقي إفادتكم..