طائرة سوريا إلى آستانة قبل جنيف.. ترانزيت أم اختطاف؟

جرت العادة أن يرمق الجميع، إلا فيما ندر، أي اتفاق لإنهاء قتال بعين الريبة. فما بالك إذا تعلق الاتفاق بسوريا !

فالحرب هناك تبدو عصية على الفهم. الأطراف متعددة والمصالح معقدة، أما معاناة السوريين أنفسهم، خصوصا في مناطق الصراع، فيعجز العقل البشري عن تصورها.

وبالفعل، ما لبث المهللون لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير يلتقطون أنفاسهم حتى لطمتهم الأنباء عن خروق هنا وهناك وعن تجميد المعارضة السورية مباحثات التحضير لمؤتمر آستانة نهاية الشهر احتجاجاً.

الاتفاق الروسي - التركي لوقف القتال في سوريا قد لا يكون مستغرَباً، فالإثنتان صاحبتا التأثير الأكبر على الأرض. الجيش الروسي يقاتل إلى جانب القوات الحكومية السورية وتركيا التي تربطها جيرة وحدود جغرافيّة مع سوريا، تعلن ومنذ اندلاع الحرب أنها ضد بقاء نظام الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم مما جعلها تلقي بثقلها على المعارضة.

ولكن إذا نظرنا إلى العلاقة بين روسيا وتركيا خلال الأشهر الماضية سنجد أنها مرت بمنعطفات حادة من النوع الخليق لمواجهات مسلحة.

وهو ما لم يحدث لحسن الحظ.، إذاً كيف ومتى حدث هذا التقارب؟ كيف التقى الطرفان في منطقة محايدة تُرضي موقفيهما المتناقضين ونجحا في التوصل إلى تفاهمٍ ما - لا يَعرف تفاصيله باقي العالم حتى اللحظة - بل ولم ينل منه حدث ضخم على مستوى اغتيال سفير روسيا في تركيا.

هنا تبدأ الشكوك والظنون وينبري الجميع، أيضاً إلا فيما ندر، في إطلاق العنان لنظريات المؤامرة الجذابة.

لماذا غيرت أنقرة موقفها إزاء سوريا لهذا الحد؟ وهل للأمر علاقة بقرب تنصيب دونالد ترمب الذي أعلنها صراحة أنه سيتعاون مع موسكو في سوريا بعد فوزه؟

أكدت تركيا أن مؤتمر آستانة يستند إلى مقررات جنيف 1 ولكن بعيداً عن التأكيدات، شفهية كانت أم كتابية، هل من الواقعي والبراغماتي أن تتأبط أنقرة ملف جنيف وهي متوجهة للآستانة؟ بل هل من الواقعي أن تصدق روسيا ذاتها فتعتمد جنيف مرجعيةً في آستانة وقد مرت مياه كثيرة تحت الجسرِ فحطمت الجسرَ وغيرت موازين القوى على الأرض ونقلت أطرافاً فاعلة من خندق لآخر؟

ثم أننا نتحدث عن ست سنوات من الحرب في سوريا شهدت الثلاثةُ الأخيرة منها مباحثات لا حصر لها بين وزيري الخارجية الأمريكي كيري والروسي لافروف والتي أسفرت عن عدد من اتفاقات لوقف إطلاق النار - لم يصمد أي منها بالمناسبة. فكيف انتقلت واشنطن الآن من ساحة اللعب إلى مدرجات الجمهور؟

وإلى أي مدى يمكن تصديق الترحيب الأمريكي بالاتفاق الروسي التركي الذي لم تشارك في صياغته واشنطن ولا حليفتاها الرياض والدوحة وباجتماع آستانة الذي لم تُدعَ إليه إلا بعد الانتهاء من ترتيب كل شيء وكأنه أداء واجب؟

وماذا عن إيران؟ ألا تنظر طهران للتقارب الروسي التركي ولو بشيء من الريبة؟ ألا يقلقها أن تتزحزح خارج بؤرة شمس موسكو الدافئة مجازاً الباردة حتى التجمد واقعاً؟ هناك بوادر توتر إيراني روسي تمثلت في تصريح الإيرانيين أن حزبَ الله لن يغادر سوريا أبداً حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها وفي التشديد الإيراني على عدم حضور السعودية اجتماعات آستانة فقط لترد موسكو بأنها ترى للسعودية دوراً مفصلياً لا يمكن تجاهله وإن لم تحدد توقيت تفعيل هذا الدور وهو ما قد يضع التصريح الروسي في خانة تطييب الخواطر.

هل يهدف الاتفاق الى قضاء القوة العسكرية السورية - الروسية على جيوب المسلحين على الارض؟ إلى القضاء على "داعش"؟ إلى حماية المدنيين؟

أم أنه يؤسس لمناطق نفوذ أجنبية في سوريا التي يتحدث الكل عن أهمية "صيانة وحدة وسلامة" أراضيها؟

كل ما سبق هو "حديث الساعة"، تابعوني مشاهديّ الأعزاء على الهواء مباشرة بعد موجز السابعة مساء بتوقيت غرينتش الأربعاء ٤ كانون الثاني يناير. ووافوني بتعليقاتكم على صفحات بي بي سي وعلى صفحتي الخاصة على فيسبوك وتويتر، عبر الوسم #حديث_الساعة #سوريا #آستانة.