الصوملة اضطرارياً!

فَزاعةُ التلويح بمصير الصومال في وجه تونس الياسمين مقلقة.. ليست حتمية ولا مرجحة.. لكنها ليست مستبعدة بالمجمل!

ما بعد عملية برلين الأخيرة ، تلك التي دَهس فيها أنيس العامري ذو الأربع وعشرين سنة، ابن قيروان تونس، دهس بكل وحشية محتفلِين بأعياد الميلاد في سوق مزدحمة في ألمانيا فسحق منهم اثنى عشر شخصاً.

ذات التكتيك البغيض الذي استخدمه تونسي آخر في نيس الفرنسية قبلها بشهور ليقتل أربعة وثمانين.

قُتل العامري لاحقا في إيطاليا.. ولكن ماذا لو قرر أمثاله العودة إلى وطن بات لا يرغب في احتضانهم كثيراً؟

الخطوات.. الاستراتيجية.. والترتيب تفوح منهم ذات الرائحة.. نفس الأيدولوجية الفكرية.. و ذات الخوف..

لذلك ما عاد مستغرباً خروج أصوات تصرخ في تونس ترفض أي احتمال للعودة وتخشى، إذا حدثت، من تكرار تجربة الصومال على أرضهم..

في العودة بالنسبة لهؤلاء خطر كبير واستقواءٌ بالعائدين من قبل خلايا نائمة لن تتردد، إن وُجدت، في النهوض من سبات عميق لفتح باب جهنم داخلياً خاصة أن أجهزة الأمن ليست على استعداد أقصى للتعامل مع المنتمين لتلك التنظيمات ولا على احتوائهم..

فمن هؤلاء صَدّرت تونس وفقا لأقل تقدير ثلاثة آلاف مقاتل والبعض يرفع الرقم إلى أكثر من آلافٍ خمسة.. ذَهبوا وقاتلوا والآن حان بالنسبة لبعضهم وقت العودة..

ولقد عاد بالفعل منهم ثمانمائة على الأقل..

في تونس خرجت تظاهرات كثيرة ترفض.. تندد بما عُرف اصطلاحا بمشروع قانون التوبة الذي طرحه الرئيس السابق المنصف المرزوقي والآن يكتنفه غموضٌ ولا يُعرف ما إذا كان قانوناً منفصلاً أم جزءاً من قانون الإرهاب..

التظاهرات ترفض بالمجمل أي تلويح بالتوبة أو صكوك غفران تعطى لمن - من وجهة نظرهم - لا يستحقها.. بل و تدعو لسحب الجنسية من هؤلاء وإغلاق أبواب البلد في وجوههم بالمجمل.

المعسكر المقابل، وإن كان لا يفتح لا أبوابه ولا ذراعيه لاحتضان العائدين على أقصاها، إلا أنه يُقدّم أسباباً منطقية لحتمية الاحتواء. فعدم العودة يعني عدم العقاب.. و يعني تشويها لسمعة تونس وتصويرها كبلد مصدّر للإرهاب.. و يعني كذلك نقض الدستور الذي تنص المادة الخامسة والعشرون منه على عدم جواز سحب الجنسية من أي مواطن أو منعه من العودة إلى بلده..

فأيهما قد ينتصر في جدلية الشد والجذب.. الحتمية الأمنية أم البعد الحقوقي؟

جزء من المعضلة ما يكرره البعض عن عدم وجود خطة واضحة للتعامل مع العائدين وعدم وجود خطوات لا للعودة ولا للمحاسبة، وبالتبعية، ولا الدمج.

تتكرر كثيراً محلياً الإشارة إلى تجربة في الجوار، التجربة الجزائرية، وقانون الوئام المدني الذي طُرح لإنهاء العشرية السوداء عام 1999.. أو حتى وضع الأمر في قالب أوسع يتعلق بمقاربة علاجية وتنشئة اجتماعية وإعادة تأهيل كل عائد على حدة وفقا لحالته ولإمكانية إعادة إدماجه كفرد من عدمه.

تونس لا تخترع العجلة هنا.. فالعجلة و بكل أسف دارت على دول كثيرة ما رحمت.. صدرت مئات و آلاف من المقاتلين من أيام افغانستان مروراً بالعراق واليوم سوريا وليبيا وحتى أوروبا.. والآن العودة قد تصبح حتمية!

فهل يمكن بالفعل دمج العائدين في مجتمعاتهم؟

حدثوني عن تجربة بلدكم أو عن رأيكم في المطلق في نقطة حوار الاثنين الساعة 16:06 بتوقيت غرينتش.