انتهى الكلام!

جملة فعلية بسيطة؛ فعلٌ ماضٍ يتبعه فاعله. كلمتان اثنتان تقولان الكثير.

هي جملة جاءت على لسان رئيس الحكومة المغربية المعين عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الفائز في الانتخابات. أو بالأحرى خطتها أصابعه.

في عالم الكتابة الأدبية لا ينبغي أن تأتي بداية القصة مملة تفتقر للتشويق وإلا انصرف عنها القارئ. ينبغي أن تأسر الرواية لب القارئ من أول سطر في أول فصل، أن تتفجر بالإثارة من اللحظة الأولى فلا يعتريها الملل ولا رائحته.

وبداية قصتنا عزيزي القارئ أبعد ما يكون عن الملل.

تخيل مشهداً انتخابياً محموماً، بكل ما يشتمل عليه ذلك من حشود وطوابير ولجان وصناديق وفرز وإعلان نتائج وطعون. اطلق لخيالك العنان.

ليس ذاك فحسب، بل هو مشهد انتخابي في دولة عربية، أي في منطقة من العالم لم يرَ كثيرٌ من سكانها صندوق اقتراع في حياتهم إلا في التلفزيون، ومن يراهُ منهم يعتبره قطعة ديكور في مسرحية فقيرة الإنتاج.

ليس الأمر كذلك في المغرب.

فقد جرت انتخابات حقيقية في السابع من أكتوبر تشرين الأول السابق أسفرت عن فوز حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية.

أذكر ذلك الأسبوع جيداً، فقد كنا كفريق برنامج "حديث الساعة" نعد لنقاش الانتخابات المغربية وما أفرزته من نتائج داعين الله ألا تسبقنا الأحداث فتتشكل الحكومة وتفسد حلقتنا قبل أن تنتهي إعادات البرنامج على مدى الأسبوع. كنا - قبل أن ينتصف أكتوبر - نتوقع أن تعلن التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة، كم كنا متفائلين.

لم تشكل الحكومة حتى اليوم بل طال عمر حكومة تصريف الأعمال حتى أوشك المغاربة يحاسبونها على أدائها في المائة يوم الأولى كما يفعل الأمريكيون مع رؤسائهم الجدد.

وبينما العمر يمضي بالحكومة المؤقتة كان الشد والجذب مستمراً بين الأحزاب المغربية.

صحيح أن العدالة والتنمية قد فاز.. لكنه ملك بلا عرش.

لكي يتوج لابد أن يتحالف معه آخرون فتتشكل حكومة ائتلافية. فلنلق نظرة على هؤلاء "الآخرون".

أكبرهم على الإطلاق هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي أعلنها مبكراً أنه لا يريد الدخول في تحالفات ويحبذ البقاء في المعارضة.

ثم هناك حزب الاستقلال الذي استبعده الفائز - حزب العدالة والتنمية - مبكراً أيضا.

ثمة حزب التقدم والاشتراكية وهو حليف وثيق للعدالة والتنمية لكن الائتلاف معه لا يكفي لتشكيل حكومة. الأمر يحتاج أحزاباً أكبر وأكثر.

هذا يترك التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، وقد عرض على كليهما بنكيران المشاركة في حكومة ائتلاف فوعدا ببحث الأمر والرد في القريب العاجل.

ويتبقى حزبا الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي، وهذان لم يعرض عليهما بنكيران أي شيء.

كل هذا جميل. الأمر واضح حتى اللحظة.

ولكن وكما في عالم الكتابة الأدبية، لا ينبغي أن تمضي الأحداث بلا صراع أو عقد أو مفاجآت. لابد أن يتصرف أحد الشخصيات تصرفاً غير مفهوم.

لقد عاد حزبا التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية بالرد المنتظر على دعوة بنكيران للمشاركة في الحكومة فقالا: نعم نقبل، ولكن معنا حزبان آخران: الاتحاد الدستوري والاتحاد الاشتراكي.

الحزبان اللذان لم يعرض عليهما بنكيران المشاركة.

فما كان من رئيس الحكومة المعين إلا أن خط بياناً ضمنه الجملة الفعلية البسيطة التي افتتحت بها هذا المقال: "انتهى الكلام".

ما الذي سيحدث الآن؟ هل يستقيل بنكيران؟ هل يتدخل القصر؟ وإن تدخل.. أيكون تحكيماً نزيهاً أم لنصرة صديقه عزيز أخنوش وحزبه التجمع الوطني للأحرار؟

أيعود بنكيران لمد جسور الود مع حزب الاستقلال؟

أيعدل الأصالة والمعاصرة عن موقفه السابق ويقبل الدخول في ائتلاف مع غريمه العدالة والتنمية؟ وإن حدث، أيقبل الأخير؟

أيتقرر إعادة الانتخابات برمتها؟ وماذا لو حدث؟ ألن يفوز العدالة والتنمية مرة ثانية وتبدأ ذات الدائرة المفرغة من جديد؟

الأسئلة كثيرة. وإذا كان الكلام قد انتهى وفقا لبنكيران، فنحن في حديث الساعة لا نستطيع قولها حتى نعثر على الأقل على بعض الإجابات، ولسوف نبدأ الكلام فور انتهاء موجز السابعة مساء بتوقيت غرينتش الأربعاء ١١ من كانون الثاني يناير.

تابعونا وشاركونا تعليقاتكم على الوسم #انتهى-الكلام