رحمة

تفكرُّ ملياً قبل الحديث معها، تتفحصُ ملامحها بعناية وهي تقترب منك، وتدورُ في ذهنك أسئلة عديدة: من أين جاءت هذه الفتاه الصغيرة ذات التاسعة عشر ربيعاً بهذه الثقة في النفس؟ كيف تستطيع التعبير عن نفسها وعن مرضها بهذه الدقة والبساطة والتصالح مع واقعها في مجتمع ينظر لأي شخص مختلف بنظرة شك؟ وأسئلة أخرى كثيرة تتبادر إلى ذهنك بمجرد أن ترى رحمة خالد.

رحمه خالد بطلةٌ مصرية عالمية من ذوي القدرات الخاصة (متلازمة داون)، لو أخترت أنا عنواناً لحياتها سأكتب "حينما تولد المعجزات من رحم الأزمات"، ليس ما يميزها التفوق الرياضي فحسب بل الحضور ولباقة الحديث. شاهدتها في العديد من البرامج التليفزيونية وفي أحد اللقاءات سُئلت عن أمنيه لها فقالت: "أشوف رامز جلال." وبالفعل حضر رامز جلال إليها وقال نصاً :أنت أحسن حاجه حصلت لي في حياتي.

قررتُ أن نقترب أكثر من حياتها، وأعددت للقاء معها وذهبت لموقع التصوير وكان في نادي الشمس ووقفتُ في إنتظارها. لم تغب طويلاً، وإذ بها قد جاءت بملابس أنيقة وشعر مهذب بعنايه وبعض المكياج الخفيف سألتها من وضع لك المكياج فقالت أمل عطيفه في إشارة إلى والدتها فهي لا تناديها باسم ماما وتقول إنها صغيره فهي صديقتي وليست أمي. تحدثت معها عن السباحة والتنس وكرة السلة وقالت إنها لم تكمل في التنس لأنها لم تحرز فيه سوي ميدالية برونزية وهي اعتادت على الفوز بالذهبية طيلة الوقت. فردَّدت في ذهني يا رحمة كثير منا يعيش في هذه الدنيا بلا أي هدف يجئ ويذهب ولا يترك أثراً متعللاً بالظروف والحياة.

وبعد انتهاء الحوار أعترفت لها بأنني لا أستطيع السباحة خوفاً من المياه هذا الخوف الذي لازمني طيلة عمري، فردت بسرعة عندك فوبيا وأكملت قائلة: "نسمة، أنا ممكن أعلمك السباحة." وللمفارقة أنا ورحمة نقطن في نفس المكان.

أخذت رقم هاتفي وتعاملت مع تعليمي السباحة بمنتهي الجدية ووعدت بمُهاتفتي قريباً لبدء التدريب. ودّعتُ رحمة وأنا مندهشة من هذه الصغيرة وأردد ما قاله رامز جلال لها : رحمة أنت أجمل حاجة حصلت لي .

وظللت أكرر سؤال وأنا في طريق عودتي "ما هي الإعاقة؟" هل هي مرض أم عرض يصيب الإنسان بإرادته ليمنعه من الحياة؟

بتوقيت مصر يأتيكم مساء الخميس في السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش، التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة، علي بي بي سي عربي .