صدمات في الصعيد

لم أكن لأصدق هذا الموقف لولا أنه حدث معي شخصيا. وقبل أن أدخل في التفاصيل، أتقدم بإعتذار لأني مضطرة أن أسرد أسماء أبطال هذا الموقف الذي لن يظهر في حلقة اليوم من برنامج "بتوقيت مصر". القصة بدأت في محافظة المنيا التي أَعد فيها فريق العمل لقاءً عن أوضاع المرأة في الصعيد، والتزاما منا بالمهنية واستعراض كافة الآراء، كان لزاماً أن يكون معنا المسؤول الرسمي الأول عن المرأة في المحافظة التي تبعد عن القاهرة ما يقرب من 240 كيلومترا، وتُعتبر البوابة الثانية لمحافظات الصعيد بعد بني سويف. بالفعل نسق فريق العمل لقاءً يجمع بين نجاح التلاوي مقررة المجلس القومي للمرأة - التابع للدولة - في المنيا ورحاب الحسيني منظمة مسابقة ملكة جمال الصعيد وإيمان عبد الله المديرة التنفيذية لجمعية مصر الحرة - إحدى منظمات المجتمع المدني المستقلة - في المنيا.

قبل الحلقة بيوم، عكفت على دارسة شاملة لأوضاع المرأة في الصعيد، وما تعانية من عنف وحرمان وإهمال وختان وفقاً لإحصائيات وتقارير رسمية تُصدِرها أجهزة الدولة. ومع بداية اللقاء، بدأت في طرح الأسئلة على الضيوف، فانطلقت إيمان عبد الله تتحدث بحرية وصراحة عن أحوال المرأة الصعيدية وتحديداً الختان لتكشف حقيقة صادمة وهي أن المرأة في الصعيد هي المسؤول الأول عن استمرار هذه العادة المُجرّمة حتى اليوم، لأن كل أم تتهافت على ختان ابنتها ظنا منها بأن في هذه العادة طهارة للأنثى وعبادة. الصدمة الكبرى كانت في رد فعل ممثلة المجلس القومي للمرأة، فبدلاً من أن تواجه الحقيقة وتتحدث عن دور مجلسها كحامي حمى المرأة في مصر لمكافحة هذه الظاهرة، وبدلاً من النقاش البناء وتبادل الآراء، ثارت السيدة نجاح التلاوي وأنسحبت من تسجيل الحلقة وكالت الاتهامات لضيفتي لمجرد أنها ذكرت الواقع كما تراه!

منذ إنطلاق حركات تحرير المرأة في مصر قبل نحو قرن من الزمان، كانت رائدات مصر في الطليعة، يدافعن بشدة عن حقوق الدولة قبل حقوق السيدات أنفسهن، وكان صوتهن يزلزل أرجاءَ شوارع المحروسة. واليوم، تُدفن رائدة تحرير المرأة في المنيا رأسها في الرمال، وترفض مجرد الحديث عن ظاهرة تتفشى في الصعيد، وتحاول تكميم الأفواه لطمس الحقيقة ورسم صورة غير واقعية لحال المرأة في منطقة تَبني عليها مصر آمالا عريضة في مستقبلها.

وتوالت الصدمات. حينما فتحنا حديثاً عن المواريث في الصعيد لنكشف حقائق صادمة تؤكد أن العادات والتقاليد في الصعيد أقوى من قوة القانون، بل وأقوى من العقيدة والإيمان بالأديان السماوية التي وضعت شرائعَ يتجاهلها أغلب رجال الصعيد. فرغم أن القانون المصري الخاص بالمواريث، وتعديلاته، لم يراع إختلاف التشريع في ديانتي الاسلام والمسيحية ووضع نصوصاً تتفق فقط مع الشريعة الإسلامية، إلا أن الشرائع والقانون لا وجود لهما أمام موروثات الصعيد.

والصدمة الأكبر أن حقوق المرأة في المواريث تضيع على يد إمرأة أخرى - عادة ما تكون الأم الصعيدية التي تنحاز للذكور - لتكون في تقديري أكبر خيانة من المرأة المصرية لبني جنسها في القرن الحادي والعشرين.

ولكننا صَمدنا وصَممنا على أن ننقل الصورة كاملة لنقدم لكم حلقة نسائية بامتياز، نرصد فيها آلام المرأة الصعيدية في الماضي وأوضاعها في الحاضر، ونستشرف فيها أيضا إشراقة فجر جديد لجيل نسائي ربما يغير مفاهيم كثيرة ويحطم قيود كبيرة ويتخلى عن موروثات طالما قيدت المرأة الصعيدية وحرمتها من أهم حقوقها في الحياة.

تابعونا الليلة في حلقة إستثنائية من صعيد مصر في "بتوقيت مصر" معي نسمة السعيد في السابعة وخمس دقائق مساء بتوقيت غرينتش، التاسعة وخمس دقائق مساء بتوقيت القاهرة.