من فم الأسد

ليستفقط المرة الأولى التي ألتقي فيها أحمد قذاف الدم بل هي في الحقيقة المرة الأولى التي أجلس فيها إلى أحد أفراد أسرة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

للثراء الشديد رائحة قد يعرفها مسبقاً قارئ هذه السطور، ومن لا يعرفها فليطلق الآن العنان لخياله. ولقد استقبلتنا هذه الرائحة بمجرد أن صففنا السيارات قبالة البناية التي يملكها قذاف الدم في قلب حي الزمالك المورق. تنفسنا انبعاثها عن الجدار الرخامي الخارجي، البارد في عز أغسطس، شممناها في إصيص الزهور في المدخل، وفي الزي الموحد لأفراد الأمن وهم يفتحون لنا أبواب المصاعد بترحاب حذر.

في الأعلى كان السيد قذاف الدم بانتظارنا فوراً. قبل التسجيل جلسنا نمسك كؤوساً متناهية الصغر تحوي شاياً أخضر على الطريقة الليبية أعددته العاملة الفلبينية. ثم شرع مضيّفي يملأ الوقت إلى أن أنتهي من الشاي - فإذا بكلماته تحول البهو الأنيق إلى ساحة معركة. وصف لي كيف اقتحم عناصر الشرطة بيته هذا قبل سنوات - خلال حكم الرئيس السابق محمد مرسي - ودارت معركة مسلحة.

"استمرت المعركة عشر ساعات، اقتحموا بيتي في الثانية فجراً. هل ترين هذا الباب في الزاوية؟ لقد ظنوا أنه يقود إلى غرفة نومي، اتصلتُ بالحراسة فتبين لي أنها سُحبت، فأخرجتُ سلاحي الشخصي.."

تفاصيل كثيرة أخرى رواها قذاف الدم عن تلك الليلة الليلاء التي انتهت به في السجن لتسعة أشهر. ثم بدأنا الحوار.

في مطلع ٢٠١٣ كنت أغطي الذكرى الثانية لثورة ٢٥ يناير في مصر، ولأول مرة أسمع من مصادري آنذاك من يتحدث - تحت الهواء - عن "عودة الجيش للمشهد بشكل ما". لا زلت أتذكر كم صعقت حينها عندما تكرر نفس المعنى من أكثر من مصدر على اختلاف توجهاتهم. سبب الصدمة هو أنك كصحفي تدرك أنك في لحظة فارقة: تدرك أنك ترصد بنفسك تحولاً تاريخياً بينما هو يحدث.

لم تمر ستة أشهر حتى تحققت توقعات مصادري.

وأثناء الحوار مع أحمد قذاف الدم عشت شعوراً مشابهاً عندما لمست كيف أنه يكرر نفس الرسالة من أول المقابلة لآخرها: "النظام القديم في ليبيا عائد بشكل ما". ليس هذا جديداً لكن أن تسمعه من "فم الأسد"، أو من فم أحد رموز هذا النظام، لحظة حقيقة أخرى لا تنسى بسهولة.

كان أحمد قذاف الدم مضيافاً منضبطاً واسع الصدر، وهو بهذا يمثل أقلية من بين ضيوفي.

أرجو أن تروقكم هذه الحلقة من برنامج بلا قيود قدمتها لكم أنا نوران سلام وبدأت اذاعتها يوم الأحد ٨ أكتوبر تشرين الأول وستعاد على مدار الأسبوع.