قلِق من إعاقتك؟ إليك قصتي مع أول مقابلة عمل

قلِق من إعاقتك؟ إليك قصتي مع أول مقابلة عمل

بدأت مشواري في ممارسة الصحافة الاستقصائية في سنتي الثانية بالجامعة. كان أحد أساتذتي مديراً لمكتب صحيفة سودانية مستقلة في الخارج عندما عرض علي العمل في مكتب صحيفته أثناء دراستي؛ شعرت حينها بأنني ربحت بطاقة اليانصيب، لأنني لم أكن قد قدمت على وظيفة أو أجريت مقابلة لوظيفة قبل ذلك.

لم أشعر بثقل الواقع كصحافية ضعيفة البصر إلا بعد شروعي في التقديم لوظائف رسمية معلنة. الصحيفة الوحيدة التي كانت تعتبر مستقلة آنذاك، قامت السلطات بإغلاق مكتبها بالخرطوم أثر تحقيق استقصائي أجريتُه عن فصل أكاديميين وموظفين حكوميين "من أجل الصالح العام".

من دون الخوض في تفاصيل توجس الأجهزة الأمنية من تحقيقات بهذا الشكل، وبعد يأسي مما يمكن أن يأتي به القدَر لضمان صحافة حرة في السودان، حزمتُ حقائبي ولملمت أطرافي وغادرت البلاد لمواصلة التعليم بعد الجامعي في مسقط رأسي، في المملكة المتحدة.

بالطبع، بريطانيا تعني للكثيرين "هنا لندن" وهيئتها الإذاعية العملاقة لكن مجرد التفكير في بي بي سي كان يحتاج لمقومات وأدوات خاصة لم أكن أتوفر عليها وقتها فآثرت التروي قليلاً. كان الحل المنقطي وقتها هو التقدم للعمل غير المتفرغ مع المؤسسات الإعلامية العربية الأخرى التي كانت لندن تعج بها في التسعينيات؛ وتلك لها مقوماتها المختلفة تماماً.

من المفارقات أن تكون أول مقابلة عمل أجريها مع فضائية تابعة لدولة خليجية في مقر سفارتها في لندن. ساورني القلق منذ بدايات مرحلة التقديم على الوظيفة المذكورة. هل أخبرهم في طلب التقديم بضعف نظري أم لا؟ ماذا لو اضطررت أثناء المقابلة للإجابة عن أسئلة مكتوبة بخط صغير لا أستطيع قراءته؟ هل سيمنحوني فرصة لإثبات جدارتي أم سأعفى من الأمر برمته ويستغنى عني؟ كان كابوساً حقيقياً، لكنني في نهاية الأمر قررت أن الشفافية هي المخرج؛ فأشرت في أسفل طلب التقديم إلى أنني وُلدت بضعف في البصر لكن هذا لم يؤثر سلباً على تفوقي الأكاديمي أو كفائتي في عملي كصحافية.

تفاجأت كثيراً عندما تلقيت دعوة على بريدي الالتروني لإجراء مقابلة وظيفية. طمأنت نفسي بأن الصدق هو الذي سيفتح لي أبواب النجاح لأن هذه العقبة هي الأصعب فإن تخطيتها فكل ما يلي ذلك سهل.

لم يكن هناك ذكر لامتحان من قريب أو بعيد بالرسالة أو إشارة لملاحظتي بأن كان هناك اختبار مكتوب فإنني أرجو أن يكون على جهاز كمبيوتر أو بحجم ونوع خط معينيين. استوقفني الأمر قليلاً لكن سرعان ما نفضت الخواطر السلبية عن رأسي وعدت لطبيعتي المتفائلة وخارطة الطريق للسفارة على الشاشة أمامي للتأكد من طريق رحلة العمر.

اختبرت المسار المؤدي لمبنى السفارة، وسلكته بمفردي متعرفة على الإمارات الدالة عليه قبل يوم المقابلة كي أتفادى أي شك في العنوان أو تأخر في المواصلات. عندما حان اليوم، المنشود، وصلت مقر السفارة قبل نصف ساعة من موعد المقابلة، شاقة طريقي بالعصا البيضاء التي يكن لها البريطانيون كل إجلال. مجرد رؤيته لي، بادر موظف الاستقبال الإنجليزي بعرض مساعدته واصطحبني إلى ردهة الانتظار الفاخرة حيث وجدت ثلاثة رجال ينتظرون دورهم للمقابلة.

اختفى موظف الاستقبال في غرفة أخرى وظهر بعد قليل ليوزع علينا بعض الأوراق. عاجلته بالسؤال عن الغرض منها، فقال إن لدينا عشرون دقيقة لملء أوراق الاختبار وانتظار دورنا للقاء لجنة المقابلة. ساورني حينها القلق، وتفحصت الورقة بسرعة كي أتأكد إن كان الخط كبيراً بما فيه الكفاية، لكنه لم يكن. تقدمت نحو الموظف وأخبرته بصوت خفيض أنني أخطرت القناة في وقت سابق عن حاجتي لنص مطبوع بخط وحجم معينين إن كانت هناك نية في إجراء أي اختبار كتابي.

أبدى الموظف استغرابه وطلب إلى الانتظار ريثما يعود. بعد مدة ليست بالقصيرة، عاد وعلى وجهه ابتسامة المنتصر وناولني ورقة في حجم صفحة الجريدة قائلاً:"كله تحت السيطرة، هذه ورقتك الاختبار خاصتك بخط أكبر مرتين من الحجم الذي طلبته".

لم أكن أريد جرح شعور الموظف المتحمس بالقول إن الخط الكبير للغاية مثله مثل الخط الصغير جداً في صعوبة قراءته فتمتمت بضع كلمات شكر وأخذت الورقة منه وبدأت العمل عليها مباشرة.

لحسن الحظ كانت الأسئلة قصيرة وبضعة سطور قليلة للترجمة؛ فرغت من الإجابة في الموعد المحدد، وانتظرت دوري بصبر نافذ بعد ما استجمعت ثقتي قليلاً بأدائي الجيد في الاختبار.

وأخيراً، اقتادني الموظف لغرفة المقابلة، حيث كان ثلاثة رجال بانتظاري، تعرفت مباشرة على اثنين منهما كانا مذيعين بارزين لدى قناة بي بي سي، وثالثهما الملحق الثقافي للدولة الخليجية مالكة القناة . دخلت وعصاي البيضاء أمامي وشعرت مباشرة بتوتر يتصاعد في أجواء الغرفة ، حتى وصلت إلى مقعدي وجلست عليه. ظل أعضاء اللجنة واقفين، لست أدري ما أذا نم ذلك عن احترامهم لي أو اندهاشهم من منظري. جلست وحاولت لملمة أطرافي، بانتظار أن ينطق أحدهم..

سأل الملحق الثقافي الذي كان يرتدي الزي الوطني:

"هل أنت رشا؟"

أجبت:"نعم".

وشعرت وكأنهم ينتظرون مني تبريراً ما، فأردفت قائلة: "لقد أشرت في طلبي إلى ضعف بصري."

قلب الملحق الثقافي الأوراق أمامه وتلعثم متسائلاً "أين؟" فقال مذيع بي بي سي السابق "في مكان ما هنا.. أها.. ها هي.. أسفل الصفحة،" ثم استطرد وكأنه اكتشف فجأة أن حريقاً مهنياً على وشك الاندلاع - فليس هكذا تجرى مقابلات العمل - وقال "بالطبع لن تكون هذه مشكلة... دعيني أعرّفك بأعضاء اللجنة..."

أدركت فوراً أنني خارج السباق، بغض النظر عن نجاحي في ااختبار أو المقابلة.

أتخذت بعد ذلك قراراً بألا أضع نفسي في مواقف مشابهة، وأن أحجم عن التقدم لأي مؤسسات إعلامية عربية، والتركيز على فرص العمل لدى الصحافة البريطانية أو العالمية. رغم أن قراري قد يبدو مجحفاً إذ لا يجوز التعميم على المؤسسات الإعلامية العربية كافة ، لكنه كان القرار الوحيد الملائم في تلك الفترة... فأن تُقدم صحفية في مقتبل العمر على إجراء مقابلة عمل دون واسطة أو تزكية فهذا أمر مثير للتوتر في حد ذاته، فما بالك لو كانت تحمل معها عبء الإعاقة؟

بعد تجربتي تلك، سنحت لي فرص العمل كصحافية مستقلة مع بعض الهيئات الإعلامية الدولية أثناء دراستي. لكن محاولتين للانضمام لبي بي سي باءتا بالفشل... عند محاولتي الثالثة، نجحت...

إذا كنت تعاني من إعاقة ما، فلا شك أنك تعي أهمية المحاولة والإخفاق أول مرة. لأنك بمحاولتك ستتعرف على ما يتطلبه الأمر من تخطيط واستعداد كي تنجح به. كذلك الحال في الصحافة، فإن لم تخطئ لن تصيب وبالتجربة نتعلم ونتقن؛ بالضبط كما نجرب الطريق المؤدي إلى مبنى المقابلة قبل يوم من موعدها.

أما تبوء المحاولة الثانية بالفشل فشبه ضروري أيضاً، إذا كنت تنوي العمل مع مؤسسة بحجم بي بي سي، كي تنافس زملاء هم خيرة الصحافيين في المنطقة بل وتتفوق عليهم.

لم تبق لي ذريعة أتحجج بها في محاولتي الثالثة. زودت مكتب بي بي سي للتوظيف بقائمة احتياجاتي المتواضعة آنذاك حتى أتمكن من إجراء امتحان بي بي سي الشهير على جهاز كمبيوتر عوضاً عن الكتابة على الورق. ودون أن أطلب، وجدت مراقبة الامتحان تبلغني بأنه مسموح لي عشر دقائق إضافية في كل قسم من أقسام الامتحان، وفرص استراحة قصيرة لتخفيف وطأة الشاشة على عيني، استعداداً للقسم التالي.

قد تبدو هذه المتطلبات بسيطة لكنه تفهم بي بي سي وتلبيتها لحاجاتي زودني بما أحتاجه من ثقة وأشعرني بأنني متساوية مع غيري، من الممتحنين وأزال كل العراقيل، الحقيقية والوهمية، التي كانت تسد طريقي من قبل.

مضت 14 سنة منذ خضت تلك التجربة واليوم أنا أطلق مشروعاً ضمن برنامج بي بي سي للقيادات التحريرية المستقبلية يهدف لتوسيع رقعة التنوع في العمل الصحفي والعاملين فيه، وإيجاد طرق مبتكرة لسرد القصص الإخبارية، وجذب قطاع الشباب من جمهور بي بي سي.

لذا أطرح مشروعاً، حظيت بفوزه وتبني بي بي سي له، يحقق الأهداف المذكورة كافة ، ومن منطلق أناني ربما، يمكّن الصحافيين من ذوي الإعاقة في أنحاء العالم العربي، ويشجعهم على النزول لمعترك إعلام مستقل يجدون فيه حريتهم ويشقون طريق الاحتراف من دون حواجز أو معوقات.

اقرأوا المزيد عن مشروع "حلق عالياً" على الصفحة الخاصة به هنا.

على فكرة، إن كنت تتساءل عن نتيجة تلك المقابلة الوظيفية؛ لم يصلني جواب بخصوصها قط.

ولا أزال أحتفظ بورقة الاختبار تلك التي يماثل حجمها ورقة الصحيفة حتى يومنا هذا؛ فلم تأبه لجنه المقابلة بطلبها مني.