MS طي الكتمان

دخلت المصعد في مبنى بي بي سي، ألهث وأتصبب عرقاً، وساورني تخوف من مواجهة مديري، لأن تأخري سيلطخ الصورة الناصعة التي أحاول رسمها عن نفسي في مرحلة التدريب والمراقبة الأوليتين.

كنت انضممت لبي بي سي قبل أيام، ولم أستطع إخبار أحد من المدراء عن المرض الذي أحاول إنكاره وتجاهل آثاره على حياتي اليومية.

اعتذرت عن تأخري، فسألني مدير التحرير عن السبب، وقلت له إن حركتي في الصباح تكون ثقيلة جداً بسبب مرض مزمن. دعاني بعد ذلك للحديث معه على انفراد، وأكد تفهمه لوضعي الاستثنائي وعن دعمه الكامل لي، والتزام بي بي سي بتذليل الصعاب على موظفيها ذوي الإعاقة... لأن التصلب المتعدد هو إعاقة، وإن لم تكن ظاهرة ومرئية.

بعد عشر سنوات على مرور ذلك اليوم المشهود، لم يتحسن وضعي الصحي كثيراً، بل اتسعت رقعة المرض في جسدي. ازدادت حركتي بطئاً وأفكاري تشتتاً، بحيث صار من الصعب أن أركّز على قراءة نص أو كتابة خبر ما لم أعزل نفسي، بشكل أو بآخر، عن المحيط الخارجي الصخب في غرفة الأخبار.

لكن شيئاً من ذلك لم ينل مني أو يثبط عزيمتي. على العكس، ساهمت بي بي سي بتحويل الإحباط إلى حافز يدفعني باستمرار لتطوير نفسي وتنمية مهاراتي تحت إشراف وإرشاد أساطين الصحافة. وفرت المؤسسة أشكال الدعم المادي والمعنوي كافة ، كتخصيص سيارة أجرة تقلني من وإلى الدوام كل يوم، وتعديل المكتب ليكون أكثر راحة وأقل استنزافاً لقواي الشحيحة أصلاً.

كما أبدى الزملاء والمدراء تفهماً لكثرة غياباتي المفاجئة نتيجة الانتكاسات المتكررة التي يستغرق التعافي منها فترة تتراوح بين أسبوع وشهر. بعد كل انتكاسة، أضطر لإخبار زميل أو اثنين آخرين عن سبب غيابي المطول. لم يرق لي ذلك بادئ الأمر، لأنني لم أرد لاسمي أن يكون "علكة في حلوق الناس" كما يقولون باللهجة العراقية... أفضل أن يعرفني الزملاء والأصدقاء والعالم لشخصي وكتابتي، لا لمرضي، سيما أنه غير ظاهر للعين المجردة. لقد رأف بي القدر إذ حمّلني وزر إعاقة مستترة، فلم أهتك سترها وأجلب الشفقة لنفسي؟

استمر الأمر على هذا الحال حتى أخبرتني زمليتي رشا كشان عن مبادرة لتدريب الصحفيين العرب ذوي الإعاقة، فوجدتها فرصة سانحة لإزالة القناع الذي آثرت الاحتجاب وراءه لسنوات طوال.. ذلك لأنها مسؤوليتي ومسؤولية الصحفي الملم بالإعاقة، لإصابتنا بها أو اطلاعنا عليها، أن نري الآخرين العالم من منظور مغاير، إذ أننا - على الرغم من الإعاقة - نمتلك ما لا يمتلكه أقراننا: عدسة إضافية وفريدة، تمكّننا من استشفاف محيطنا الخارجي على الرغم من العكاز أو الكرسي المتحرك، أو أي ثقل ننوء بحمله من دون أن يراه أو يشعر به أحد سوانا...

أحب عملي حباً جماً، على الرغم من الضوضاء والعجلة، والشؤم الذي تحمله أخبار العالم... أحبه لأن فيه فرصة لا تضاهى للتواصل مع الناس في شتى أصقاع المعمورة، زد على ذلك الواجب الذي أخذته على عاتقي بنقل تجاربهم وسرد قصصهم بطريقة مستساغة ودقيقة...

من الطبيعي أن يكون العالم العربي زاخراً بالمواهب الصحفية، لأن ثقافة المنطقة ترتكز بشكل كبير على إرث أدبي و"حكواتي" هائل، صاغ التاريخ القديم والمعاصر على شاكلة أقاصيص تناقلتها الألسن وحفظتها الأفئدة..

صحيح أننا لم نعد ندون أخبارنا ونوثق حياتنا على ألواح طينية كما فعل أجدادنا منذ آلاف السنين، لكن الفطرة السردية متأصلة في الكثير منا.. ومبادرة تدريب الصحفيين من ذوي الإعاقة في بي بي سي، تمثل فرصة ثمينة لهؤلاء الذين يرغبون بتطوير مهاراتهم الصحفية واستغلال مواهبهم في دورة واضحة المعالم والأهداف، وفي كنف دافئ وداعم ومساند بشكل منقطع النظير، لا يشبه أبداً الجو البارد والضبابي الذي يلف لندن معظم أوقات السنة..