كان يا مكان في قديم الزمان …

هل تذكرون الحكواتي؟ هل كان في حيِّكم مقهى أخبركم عنه الأب أو الجد؟

وماذا عن المنبر المتصدر لقلب المقهى حيث كان للحكواتي مكان الصدراة كي يراه الجميع؟ في هذا المكان يجلس الحكواتي، مرتفعاً قليلاً عن بقية الحضور وبالزي الشعبي، يضع طربوشاً على رأسه، ويحمل عصاً رفيعة في يده ويخبر بلهجة فيها الكثير من الحماس قصصاً وأساطير من زمن غابر.

وبينما يروي قصص بطولات ويرفع صوته ويخفضه كي يزيد من حماسة المتابعين، كان الحكواتي يواكب قصصه بضربات على الطاولة بسيف يحمله حسب الرواية ومتطلباتها ولاسيما عندما تكون القصة متصلة ببطولات شخصيات من التاريخ مثل عنترة وعبلة وأبي زيد الهلالي، وغيرها من القصص والأساطير التي كانت تلهب حماسة رواد المقهى.

حتى أن أحمد اللحام، الحكواتي الذي يلازم قهوة النوفرة في قلب العاصمة السورية دمشق، روى كيف أتى أحدهم إلى منزل خاله الحكواتي "أبو شاكر" وهدده بالقتل لأنه أنهى حكاية عنتره عندما جرى أسره ولم يكملها حتى تحريره من الأسر بفعل بطولي أسطوري. فدخل منزله وقال له " فك أسره أو أقتلك" وقد روى حكواتي دمشق هذه الرواية للدلالة على مدى تفاعل الحاضرين مع القصص، لا بل مدى تفاعلهم مع البطولات وتمسكهم بها.

لكن ظاهرة الحكواتي باتت شبه معدومة وتحولت إلى جزء من التراث الشعبي وبات فيها الكثير من الفولكلور.

وأصبح الحكواتي جليس مقهى أو إثنين في عواصم المدن التي كانت تحتضنه. ولكن بالمقابل برزت حكواتيات، شابات لم يأخذن من المقاهي مكاناً لهن ولكن من الساحات العامة أحياناً وغيرها من الأماكن.

لكن قصص الحكواتيات تختلف ولا تتصل بأساطير وقصص رويت حول بطولات شخصيات تاريخية، لكنها قصص الأم والجدة وغالباً ما تشكل حافظاً للتراث الشعبي وتعبر بمثابة التاريخ الشفهي لبعض الدول منها فلسطين مثلاً.

كما أن الأماكن التي تستخدمها الحكواتيات مختلفة، ففداء عطايا من فلسطين، وعندما قررت أن تصبح حكواتية، خرجت إلى الشارع وجلست على الأرض وكانت تبدأ بجملة "شان شان يا مشان دشان مقابل دشان" وهي لهجة عامية تريد أن تقول "كان يا مكان دكان مقابل دكان" في محاولة لجذب الإنتباه . في البداية قالوا عنها مجنونة كما أخبرتنا، لكنها اليوم باتت تجمع حولها أطفالاً وكباراً كما تقول وقد نجحت في جذب الإنتباه.

لماذا حلقة عن الحكواتي والحكواتية؟ لأنها ظاهرة ارتبطت بذاكرتنا وباتت آيلة إلى الإندثار. وهي اليوم باتت أكثر انتشاراً لدى النساء ولكن بمضمون مختلف مضمون يأخذ من ذاكرة الكبار مادة له عاكساً الواقع الإجتماعي في تلك الفترات . ولاسيما في نظرة المجتمع للمرأة والقيم التي كانت سائدة. فالكثير من قصص الحكواتيات اليوم هي قصص تريد ان تنشر الوعي والقيم بخلاف قصص البطولات والأساطير التي ارتبطت بالحكواتي الذي رتبط بذاكرتنا.

تابعوا الحلقة هذا الأسبوع وفي مواقيت مختلفة تجدونها على صفحات البرنامج على فيس بوك وتويتر