ما أشبه الليلة بالبارحة ...

كنت تقريباً في سن العاشرة عندما تعرضت لحادثة كادت تغير مسار حياتي. لا أتذكر تفاصيل الليلة بأكملها، كل ما أتذكره أني كنت مع جدتي لأمي وخالتي لحضور فرح في احدي القاعات وذهبت للعب مع أقراني ثم سقطت عن إحدى الألعاب وكُسرت ذراعي. أتذكر جيداً الهرج والمرج الذي ساد القاعة إلى أن أقترح أحد الحضور الذهاب إلى مستشفى القصر العيني بإعتبار أن لديه استعدادات فورية من الأشعة وغيرها وأيضاً لوجود أطباء يتمتعون بسمعة طيبة.

ذهبنا جميعاً إلى القصر العيني وهناك عُشت اللحظات المحفورة بداخلي حتى الآن وكإنها البارحة. أطباء الاستقبال اخبروا جدتي ان ذراعي لن يعود كما سبق وانه لابد من بتره وبدأوا بالفعل بقص ذراع الفستان الذي كنت أرتديه وبدأوا بشد ذراعي كي يفصلوا الكوع من المفصل ثم يقوموا ببتره، وتعالى صوت صراخي وجدتي تبكي من المشهد وخالتي ذهبت لإحضار اَي طبيبٍ آخر وعندما اصبح الألم لا يحتمل تدخلت جدتي واحتضنتني وقالت لهم لا نريد إصلاحه اتركونا وشأننا .

احضرت خالتي طبيباً اخر من المستشفي وقام بتجبيس الذراع علي حاله بعد محاولات بتره وأمر باحتجازي لمدة يوم وكانت هذه صدمةٌ أخرى ، فقد تم احتجازي في قسم العظام وهو عبارة عن حجرة كبيرة بها أسرة متلاصقة بجوار بعضها وفِي منتصف الغرفة شرفه تُطل على حديقة القصر العيني . جدتي لم تُذق طعم النوم في هذه اللية أخذتني في حضنها وأنا أغطي وجهي وبين الحين والآخر انزل الغطاء وأتجول بعيني عن اليمين وعن الشمال أرى وجوهاً تعبة واسمع آهاتٍ من رجال كبار في السن ما بين بتر في الساق أو في الأصابع الى أن انقضت الليلة وخرجت وذهبت الي طبيب مشهور في ذلك الوقت يدعي (الغوابي) قال وقتها إنني لا استطيع ان أتحمل عملية رجوع المفصل في مكانه بدون بنج وتمت العملية ولَم يقطع ذراعي .

كل هذه المشاهد عادت إليّ ذهني زاحفه عندما قررنا نحن فريق عمل بتوقيت مصر عمل حلقة عن القطاع الصحي في مصر وقررت الذهاب إلى مستشفي حكومي ووقع الاختيار علي القصر العيني ذهبت برفقة زميلي وائل وتجولنا ما بين العيادات الخارجية والمشاهد المؤلمة لكبار السن وهم يفترشون الكراسي في وضع صعب أملا في أن يصبهم الدور للعرض على الطبيب. لم أر مدير المستشفي أو أحد نوابه يتجول في المستشفي كما نرى في مشاهد المسلسلات المصرية. لم التق أحدا ولكن وجدت بالمصادفة أثناء جولتنا باب مغلق عنوانه (مكتب العلاقات العامة وشكاوى المرضى) ولكن المرضي موجودون والمكتب مغلق.

تابعنا السير في أروقة المكان وسأل زميلي عن قسم القلب والمفاجأة القلب في الدور الثاني والمصعد ليس للمرضي وإنما للعاملين بالمستشفى!! وحينما قررنا أن نصعد السلم، لم نسمع إلا آهات المرضى والاستنجاد بالله.

وبعد دقائق وجدت نفسي أقف في قسم العظام وتذكرت كافة المشاهد من طفولتي فلم يتغير المكان قيد أنملة، الحوائط والأسرة وآلام المرضى وهنا للحظة تبادر إلى ذهني خاطراً بعد مرور هذه السنوات؛ كم من هؤلاء المرضى استجاب ووافق على بتر ساقه أو زراعه؟ كم طفل دخل القصر العيني وخرج ناقص طرف من أطرافه؟ أناوقتها وجدت من يُنقطني فكم منهم تم انقاذه ؟ وكم منهم لم يمهله القدر فرصة الرفض ؟!

خرجت مهمومة وحزينة بعد هذه الزيارة لمكان أحمل له أقسي الذكريات وأكثرها ألما، وظل التساؤل: البداية من أين ؟هل إصلاح حال الأطباء برفع رواتبهم ؟ أم إصلاح المؤسسه الطبية ؟ أم نأتي بالأساس وهو التعليم ومحو أمية جميع المصريين؟

الحلقة كانت مليئة بالمفآجات منها أن وزير العدل رفض مشروع قانون يمنع الاعتداء علي الأطباء ويعطي لهم بعض الحوافز المادية. والمفاجأة هنا أن سبب الرفض هو عدم التمييز وهنا قالت النائبة شادية ثابت وكانت ضيفتي في الحلقة وماذا عن تمييز الشرطة والقوات المسلحة والقضاء .

من المفاجآت أيضاً أن مصر الآن بها مبادرة رئاسية بعنوان ١٠٠ مليون صحة الكل كان يعتقد انها ممولة من صندوق تحيا مصر ولكن هي ممولة من البنك الدولي بقرض واجب السداد .

مفاجات عدة في هذه الحلقة المختلفة والجديدة من بتوقيت مصر في هذا الموسم الجديد والذي بدأناه بحلقة استثنائية يكون معنا فيها الجمهور معلقاً وطارحاً للأسئلة ..

بتوقيت مصر يأتيكم في تمام الساعة السابعه وخمس دقائق بتوقيت غرينتش التاسعة وخمس دقائق بتوقيت مصر