هل مصر بلد فقير حقاً؟؟

كان موعد التصوير في تمام الثالثة عصراً، توجهت بسيارة العمل إلى المكان المحدد في مدينة الشروق التي يقطنها عدد من كبار رجال الأعمال والمسؤولين في الدولة ومن بينهم رئيس سابق لمجلس وزراء مصر.

وفي الطريق، جال بفكري خاطرٌ! هل ممكن أن يكون صاحب كتاب "هل مصر بلد فقير حقاً؟" من ملاك الفيلات الفاخرة في هذا الحي الراقي؟ قلت: نعم، ولم لا يمتلك عقار كامل أو عقارين له ولأولاده. ولكن كيف يكون في هذا الترف ثم يتحدث عن ثروات مصر المنهوبة وعدد الشقق السكنية المغلقة التي تتجاوز 12 مليون شقة وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للمحاسبات. لم لا يكون هو الآخر من ملاك تلك الشقق كعادة كثيرين في مصر.

وقلت اذا لا بد أن أوجه له سؤالا حول كيفية الكتابة عن ثروات مصر وعن شراء العقارات وعن الفقر في مصر وانت تعيش عيشه رغدة وتملك كالبقية التي تحدث عنها في كتابك فما الفارق؟

وبعد قرابة ساعة، توقفت السيارة أمام عمارة سكنية في مساكن الاسكان الإجتماعي التي تخصصها الدولة بمساحات صغيرة وأسعار أقل وخدمات أقل. تصورت لوهلة أن السيارة قد تعطلت، أو أن السائق ينتظر أحداً ليرشده إلى الفيلا الفاخرة التي يقطنها واحد من أبرز الخبراء الاقتصاديين في مصر، والذي يملأ وسائل الإعلام بتقاريره وآراءه وتحليلاته وكتاباته.

سألت السائق: لماذا توقفنا هنا؟ فرد قائلا: هذا هو العنوان! صُدمت. وجاءت السيارة الأخرى التي تحمل معدات التصوير وصعدنا أربعه أدوار على الأقدام. فهذه العقارات لمن يعرفها لا يوجد بها مصعد كهربائي ولا حارس عقار. ووصلت أمام باب الشقة وذهلت فهي وحدة سكنية في غاية التواضع عبارة عن حُجرتين بحمام واحد وصالة ضيقة للغاية بالكاد تسعنا، ومطبخ في غاية التواضع.

وهنا لاح وجه الدكتور عبد الخالق فاروق ببشاشته المعتادة. صافحتُه وبالطبع شكرته على استقبالنا في بيته بعد ساعات من الإفراج عنه بضمان محل إقامته. كان في قمة هدوئه واستسلامه، وبعض خجله من وجودنا في شقته التي وضعت بها الكاميرات بصعوبة وظل باقي فريق العمل خارج الشقه لانها لم تتسع لنا جميعاً ..

قبل تسجيل الحوار سألته :هل تسجيل حوار معنا بعد ساعات من خروجك من الحبس الاحتياطي يمثل خطورة عليك؟

فقال لي نصاً :ليس لدي ما أخشاه ..

نعم هو ليس لديه ما يخشاه، كل ما يخشاه ويحبه هو بلده فهو لا يمتلك جاه ولا سلطان ولا منصب ولا حتى شقة في منطقة راقية ولا فيلا صغيرة بعد كل سنوات عمله فهو يمثل الطبقة العاملة في مصر بأوضح صورها، وهو رجل وإن كان في شقة تبدو فقيرة إلا أن ثروته الحقيقية أفكار لا تنضب.

ضيفي هو دكتور عبد الخالق فاروق الباحث الاقتصادي الذي حاول أن يجاوب بالأرقام علي عبارة نطق بها السيد رئيس الجمهورية وهي احنا بلد فقير قوي وبعد الإجابة عن هذا السؤال في كتاب سمي "هل مصر بلد فقير حقاً ؟" تمت مصادرة الكتاب والقبض علي صاحب دار النشر وايضاً فاروق وبعد غياب استمر أكثر من عشرة أيام تم الإفراج عنه وكان لنا معه هذا اللقاء الذي يعرض يوم الخميس في تمام الساعة التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة والسابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش.