تكدير السلم العام

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شهدت منطقة الزاوية الحمراء التابعة للعاصمة المصرية القاهرة أعمال عنف شديدة ومتصاعدة لعدة أيام وكانت حديث المصريين آنذاك. وتضاربت الروايات والأحداث. ففي حين أكد عدد من المؤرخين لهذه الحقبة أن الحادث كان سببه خلاف طائفي حاد بين المسلمين والأقباط وأودى بحياة العشرات، إلا أن الرئيس المصري وقتها محمد أنور السادات خرج في خطاب أذاعته وسائل الإعلام آنذاك وقال كلماته الشهيرة التي أتذكرها بلهجته المصرية العامية: "حادث بسيط في الزاوية الحمرا، خناقة زي أي خناقة بين الجيران، غسيل في بلكونة مواطن نزلت منه مياه على غسيل في بلكونة المواطن اللي تحتيه، والظاهر إنها مياه "مش ولا بد" يعني وتتحول إلى إشاعات مؤسفة ويترتب عليها أحداث تصور للعالم أن في مصر فتنة طائفية." ثم واصل حديثه محذراً: "فيه ناس بينفخوا في النار وبيستخدموا الولاد الشبان الصغيرين وقود للنار دي أنا بحذرهم جميعاً وبقولهم إن الديمقراطية ليها أنياب وتقدر تحافظ على نفسها."

إلى هنا انتهت كلمات الرئيس أنور السادات في مجلس الشعب وبدأت حملة من الاعتقالات فيما عرف باعتقالات سبتمبر 1981.

في حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر، كان ضيفي المهندس يحيى حسين الذي خرج لتوه من الحبس على ذمة التحقيقات في بلاغ يتهمه بإهانة الرئيس السيسي ونشر أخبار كاذبة وتكدير السلم العام وقائمة من الاتهامات سبق أن وجهت لعدد من الشخصيات التي استضفتها في البرنامج على مدار الشهور الماضية. والسبب أن مواطنا تقدم ببلاغ ضد يحيى حسين يتهمه بهذه الاتهامات لتضرره من كلمات كتبها وينتقد فيها، أو يتحدث عن رأيه، فيما صرح به الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ثورة الخامس والعشرين من يناير. كان ضيفي كتب مقالا على صفحته الشخصية على فيسبوك بعنوان "هي ثورة... وإن أنكرها لصٌ أو رئيس". وحينما قرأت المقال، كان يحيى حسين يتحدث عن أحد وزراء نظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك والذي خرجت ضده ثورة 25 يناير. كما علق حسين على تصريحات الرئيس السيسي خلال مؤتمر شباب العالم والتي تطرق فيها لثورة يناير، إذ حرص الرئيس في أكثر من مناسبة على التأكيد أن الخامس والعشرين من يناير ثورة بنيت على وعي زائف، وأنها كانت علاجاً خاطئاً لتشخيص خاطيء. كما يتعامل معها البعض باعتبارها خدعة للمصريين، وذلك رغم أن ديباجة الدستور المصري، الذي أقر عام 2014، نص على إحترام ثورة الخامس والعشرين من يناير بإعتبارها تحركاً مشروعاً عبّرعن مطالب الشعب المصري.

وخلال مقالته، عَبّر ضيفي يحيى حسين عن ما عايشه وشاهده في ثورة يناير، وما صاحبها من أجواء يراها أنها الحرية والكرامة والعزة والنصر على الفسدة والمفسدين، وتحقيق أسمى معاني الوحدة الوطنية داخل الميدان، على حد رأيه. ثم تطرق إلى رؤيته للواقع الذي يعيشه الآن كما يراه من تضييق على الحريات وغلق للصحف حتى أنه قال نصا في مقالته إن "الرئيس تخيل أن المقادير دانت له أو هكذا يظن". وعندما سألته لماذا قلتَ "هكذا يظن" رد علي، وقد بدا لي متردد ولا يعلم ما مصيره بعد إذاعة الحلقة "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا..."

على قدر صراحة ضيفي في الحوار على قدر ما تمنيت بأن لا يستمر الحوار تحسبا من قيام مواطن بتوجيه بلاغ يتهمه مجدداً بإهانة رئيس الجمهورية وتكدير السلم ونشر أخبار كاذبة.

لا أعلم أي سلم تكدر بسبب مقال ليحيى حسين عاش حلماً في ثورة 25 يناير وأبى أن يسيء أحدٌ لحلمه. ولا أعلم ما لماذا تذكّرتُ كلمات السادات بعد حديث يحيى حسين؟ ولكن ربما هناك وجهُ شبه بينهما! حيث جاءت حملة اعتقالات سبتمبر عام 1981 كناب من أنياب الديمقراطية لمنع تكدير السلم العام. وها هو ذات الناب الذي يُستخدم اليوم في مواجهة من يرون أنه يكدر السلم العام.

كان هذا أحد لقاءات حلقة الليلة، والتي أقدم فيها في فقرة أخرى عن الاقتصاد المصري. التقيت شاباً من بين ثلاثة ضيوف يعمل بيومية قدرها 100 جنيه مصري فقط، وحينما سألته لماذا لا يتوجه للعمل بالمشاريع الجديدة التي تقيمها الدولة في العاصمة الجديدة مثلا، رد قائلا إن المشروع لا يزال في أوله، وأنه لا يوجد أماكن سكن هناك!! وحينما سألته عن مبادرة مشاريع التي أطلقتها الدولة لإتاحة تمويل للشباب لإقامة مشاريعهم، اكتشفت انه لا يعلم عنها شيئاً!

وأتحدث في فقرة عن همّ مصري وهو التعصب الرياضي، إذ لا تزال أجواء هزيمة النادي الأهلي لمباراته أمام الترجي التونسي وخسارته لنهائي دوري أبطال افريقيا حاضرة في مصر، ويتعرض جمهور النادي الأحمر إلى موجة عنيفة من السخرية على مواقع التواصل الإجتماعي لتكشف المدى الذي وصل إليه التعصب الرياضي في مصر.

تابعوا حلقة الليلة من برنامج بتوقيت مصر في تمام السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة.