مفارقة

مفارقة غريبة حدثت معي خلال تصوير حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر. فقد بدأ ضيفي الأول ناصر حياته المهنية قبل أن تبدأ هادية ضيفتي في الفقرة الأخيرة حياتها. إذ أن الأول هو الفنان ناصر عبد التواب مدرب فرقة الأراجوز المصري والذي التقيته لأحدثه عن فن الأراجوز المصري وإحتفال وزارة الثقافة المصرية قبل أيام بتسجيله في قائمة تعرف بقائمة "الصون العاجل" للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة يونسكو، وهي قائمة التراث الثقافي غير المادي التي تضم عناصر التراث الحي المعرّض لخطر الاندثار. ويساعد الوجود على هذه القائمة في حشد ما يلزم من تعاون ودعم دوليين لتعزيز تناقل هذه الممارسات الثقافية بالاتفاق مع المجتمعات المحلية المعنية. بينما ضيفتي هي الفاشونستا (مؤثرة على مواقع التواصل الإجتماعي متخصصة في الموضة) هادية غالب التي لديها مليون متابع وأكثر على انستَغرام، إضافة إلى متابعيها على وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، وتتبارى المواقع والمجلات في نشر أخبارها وصورها بأنحاء متفرقة بالعالم. كما أسست شركة للتسويق، وتعمل في دبي، وصارت من الشابات الواعدات في مجال الأزياء والتسويق في مصر.

المفارقة أن الأراجوز والأزياء كلٌّ منهما نوع من أرقى وأقدم الفنون، ولكن كيف عاش الثاني، واندثر الأول؟

عدتُ بالتاريخ إلى الوراء، واستعنتُ ببحث كان أعده فريق عمل برنامج بتوقيت مصر. عُرضت أول مسرحية عرائس في مصر بدار الأوبرا بعنوان "الشاطر حسن" تأليف المبدع الراحل صلاح جاهين. ثم قَدمت الفرقة عام 1960 مسرحية الليلة الكبيرة التي ألفها صلاح جاهين وحرّك العرائس فيها الدكتور الراحل ناجي شاكر ولحنها الراحل سيد مكاوى وأخرجها الراحل صلاح السقا. تلك المسرحية التي تركت بصمة وعلامة في أجيال الألفية الماضية ولا تزال كلماتها خالدة في أذهاننا. وعلى مدار أكثر من نصف قرن، عاشت "الليلة الكبيرة يا عمي والعالم كتيرة، ماليين الشوادر يابا م الريف والبنادر". وبلغ فن الأراجوز ذروته حتى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حضر عرض "الليلة الكبيرة" مع ضيفه الملك محمد الخامس ملك المغرب، وطلب الرئيس من الدكتور ثروت عكاشة بناء المبنى الحالي لمسرح العرائس في حديقة الأزبكية في القاهرة وكلف الدولة حينها أكثر من مائة ألف جنيه ليصبح أول مجمع لمسرح العرائس في العالم. ثم توالت الأجيال التي أتقنت فنون الأراجوز ولم تدرك فناً مهماً إسمه التسويق. حتى أنا لم أكن أدركه حتى التقيت ضيفتي التالية هادية.

هادية لها من اسمها نصيب، فهي كذلك، لم يحالفني الحظ لأتعرف عليها من قبل رغم أن شقيقتي الصغرى تعرفها جيداً. كنتُ أظن قبل أن ألتقي هادية أن صناعة الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي أمر سهل؛ كل ما تحتاجه أن تثير جدلاً بشكل أو بآخر بتلك الطريقة التي حاولت بها الفنانة رانيا يوسف أن تخطف الأنظار -على حد قولها- من خلال الفستان الذي ظهرَت به في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي قبل أيام. وبالفعل هي فعلت ذلك ولكن بشكل سلبي. وعادة لا أهتم أيضا بالفاشونستا لأن لي ذوق خاص في اختيار ملابسي، وأومن أن الموضة هي أن أرتدي ما يناسبني وأشعر بالراحة فيه بصرف النظر عن الدارج. وحينما التقيتها وجدتها شابة عشرينيه في منتهى الثقة بالنفس، تتحدث كسيدة أعمال مهما كان مقام الحديث، تركز في كل التفاصيل مهما كانت صغيرة. وحينما حاورتها، كشفت عن بدايتها للتسويق الرقمي منذ سن التاسعة عشر وتحولت بمرور الوقت إلى واحدة من الأسماء الواعدة في عالم الموضة والتسويق في مصر. حاولتُ أن أجيب خلال الفقرة على: ما الذي دفع فن الأراجوز إلى الاندثار رغم كل الدعم الذي قدمته الدولة منذ تأسيسه والأسماء الكبيرة اللامعة التي ساندته؟ وما الذي قاد فتاة في عقدها الثاني أن تنطلق إلى أبواب المجد والشهرة عبر حساب على انستغرام؟ أعتقد ان في حلقة الليلة من بتوقيت مصر إجابة على السؤالين وأسئلة أخرى كثيرة في لقائين ممتعين حقاً.

كما تشاهدون في حلقة الليلة حواراً مع فتاتين لهما تجربتان رائدتان في التغيير وصناعة مستقبل أفضل لهما بمساعدة منظمات المجتمع المدني.

تابعوا حلقة الليلة من برنامج بتوقيت مصر في السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش ،التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة ..