تاء - تَوْرة.. تاء - تُوّار

على الخارطة الجيوسياسية لـ"الربيع العربي"، انفردت ليبيا عمن جاورها ومن تلاها... لا أنسى المرة الأولى التي سمعتُ أضلاع الثورة الليبية على القذافي يسمون ثورتهم: التورة، وشخوصَها: التُوار.

لا أنسى ولن ينسى مراقب مشهد قتل القذافي.. الغضب الأحمر الذي لم أره من قبل على وجه ليبي طوال أعوام عملي كصحفية.

يومها غمغمت لنفسي، ثم لمن حولي: هذا غضب سنين طوال!

ظلتْ ليبيا في الشرق الأوسط إبان عقود حكمِ معمر القذافي صندوقاً مصمتاً مشبعاً بغير المرئي.. ربما لطبيعة القذافي كشخص أوكحاكم.. ربما لبُعد الليبيين عما شغل مَن حولهم في سنوات ما قَبل الثورة من علاقات دولية، منفتحة كانت أو منغلقة مع الولايات المتحدة.. وربما لخصوصية المكان والبشر..

حاورتُ في بلا قيود القيادي البارز فيما كان يعرف في تسعينيات القرن الفائت بالجماعة الليبية المقاتلة، خالد الشريف، قبل حوالي العام.. تغيّرَ الرجال في هذه الحركة أو هكذا يقولون.. ألقوا سلاحهم بعدما أخفقوا في انتزاع القذافي عن كرسيه في التسعينيات، وسلكوا مسلك جهاديي مصر في التفاوض والمراجعات في تلك الحقبة، بعد أن احتذوا بجهاديي أفغانستان سابقاً في محاربة السوفييت.

وحين تأجج الصراع في ليبيا عام 2006، كانت الجماعة قد نأت بنفسها عنه وعن السلاح، هكذا يبدو.

وصلت "التَورة" إلى ليبيا، فلم تصل الجماعة حسب ما قالت إلى ما وصل إليه آلاف آخرون ارتأوا حمل السلاح الضمانة والسبيل للاستمرارية فيما بعد الثورة.

حلقتْ طائراتُ حلف شمال الأطلسي فوق سماء ليبيا الغامضة في عام 2011، لتنجح فيما لم تنجح فيه الجماعة الليبية المقاتلة. انتزعتْ القذافي عن كرسيه وجَرَّأت عليه من لم يكن يجرؤ.

وحَملَ السلاحَ كلُّ من له كف تَحملُ في ليبيا تقريبا.. مرت أعوام شارفت على الثمانية ومازال السلاح مُشهَرا بين الليبيين. الكل متمترس فيما بات يشبه الكتائب العسكرية الثلاث.. شرقاً ووسطاً وغرباً..

اتهامات تتطاير بالعمالة وتلقف الدعم، تارة من مصر والإمارات وقطر، تارة من روسيا، وتارة من الغرب بضفتيه الأوروبية والأمريكية، وكل تلك الجهات تنفي وتتحدث عن مسافة واحدة من الأطراف الثلاثة.

الثابت أن ليبيا معبرٌ لجنوب المتوسط وكابوسٌ مؤرق لإيطاليا وفرنسا.. حدٌ طويلٌ غيرُ آمن لمصر، وآخرُ غير مؤمن للثلاث المغاربيات.. المتحرك دائما هو المجتمع الدولي حول ليبيا، الصخيرات التي لاتزال محل تراشق، حفتر وقواته المعروفة بالجيش الوطني الليبي التي يتجادل الشرقُ والغربُ بشأنه، والجماعات الليبية المسلحة التي إن أمنَها حفتر فلن يأمنَها المجلس الرئاسي، والبرلمان الذي لم يَعترف أبدا بالمجلس ولم يمنحه شرعية الحكم دستوراً، إلى آخر ما يسطر مداد القلم من تعقيد.

في بلا قيود هذا الأسبوع أحاول فك طلاسم ليبيا، أرسم خريطة جيو- اجتماعية لـ"التَورة" و"التُوار"، أغوص وأطفو بين طيات عقود اللا معلوم في عهد القذافي..

ضيفي هذا الأسبوع، الدكتور محمد المفتي المؤلف والباحث في التاريخ والسياسي الاجتماعي الليبي، يحدثني دون تحفظ عما يرى ويسطر ويفكر.. وأستمد منه قوة المعرفة..

بلا قيود - الأحد، الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي.