عضّ الرجل كلبا

لم أتخرج من كلية الإعلام في مصر، وإن كانت دراستي قريبة منها، ولكن منذ أن وطئت قدماي هذه المهنة التي قضيت فيها أكثر من 12 عاما وأن أتعلم.

ولكني أتذكر جيدا أول درس في هذا المجال وهو الدرس الذي لا يزال يُدرس في جميع المؤسسات التعليمية العاملة في مجالي الصحافة والإعلام وعنوانه "إذا عض كلب رجلًا، هذا ليس خبرًا، أمّا إذا عض رجل كلبًا، فهذا هو الخبر".

بصفتي وافدة على هذا المجال وقتها، اعتبرته درسا قيّما رغم أن عقلي لم يتقبله يوما من الأيام. وبعد أكثر من 12 عاما من الخبرة لا يزال عقلي لا يتقبله وخصوصا بعد حلقة هذا الأسبوع من برنامج "بتوقيت مصر".

تحمست جدا لموضوعات هذا الأسبوع، فكانت البداية بلقاء مع المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب المصري في حوار حول ما ورد في المؤتمر الصحفي الذي عقده هذا الأسبوع لعرض إنجازات البرلمان على مدار ثلاث سنوات من بدء انعقاده في يناير عام 2016. كانت موضوعات الحوار حساسة وخصوصا عند الحديث عن دستورية مد حالة الطوارئ في البلاد لأكثر من 8 مرات متتالية رغم أن الدستور لا يسمح بالمد سوى لمرة واحدة فقط، كما تطرقنا لقضية تعديل الدستور والقوانين المكملة له وغيرها من الموضوعات الحيوية والتي نادرا ما يناقشها الإعلام المحلي. ورغم ذلك كان الحوار هادئا، وكانت إجابات الضيف في تقديري حافلة بالأخبار التقليدية حتى وإن شعرت في أكثر من مرة أن الضيف يتهرب بطريقة دبلوماسية من الإجابة.

ثم أجريت حوارا مع الإعلامي حمدي الكنيسي الذي تقدم باستقالته منذ أيام من رئاسة اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين الوليدة في مصر، واعتبر أن هذا الحوار هام جدا لأن الكنيسي تبنى على مدار عقود فكرة انشاء نقابة للإعلاميين، فما الذي دفعه اليوم للتخلي عن حلمه والتنازل عنه والاستقالة من رئاسة اللجنة في هذا التوقيت تحديدا. كان الحوار شيق، واتسم بالصراحة، وأجاب فيه الكنيسي عن جميع الأسئلة مهما كانت صعوبتها. وخرجت من الحوار بمحتوى يليق بصناعة الأخبار التقليدية.

انهيت حوار الكنيسي وكلي شوق إلى مناقشة هذا الموضوع الذي انتشر على المواقع الالكترونية ووسائل الإعلام المحلية في مصر كالنار في الهشيم، لدرجة أن صحيفة الأهرام الأقدم في مصر والشرق الأوسط اهتمت بهذا الخبر، ومضمونه أن دراسة أجراها مركز تابع للأمم المتحدة اثبتت أن المرأة المصرية هي الأكثر ضربا لزوجها في العالم، بل واستندت الدراسة المزعومة وفقا لوسائل الإعلام المحلية على إحصائيات منسوبة لمحاكم الأسرة في مصر والتي تدّعي أن 66 % النساء اللاتي يطلبن الطلاق أو الخلع تعدين على أزواجهن بالضرب. في تقديري أن هذه الفقرة حقا هي التي تتضمن خبرا يستحق المتابعة، وبدأت أقنع نفسي بنظرية الأخبار التلقيدية التي عض فيها الرجل كلبا! وبدأت الفقرة بنوع من أنواع التعجب، إذ أن هذه هي المرة الأولى التي أناقش فيها ظاهرة ضرب المرأة لزوجها وريادة المرأة المصرية في هذا الشأن، وذلك بعد سنوات من تبني قضايا المرأة ومناهضة العنف تجاهها على مدار سنوات سواء بالعمل الإعلامي أو المجتمعي.

وما أن بدأ الحوار حتى اكتشفت أنه لا صحة لهذه الدراسة على الإطلاق ولا وجود لها ولا تغدو أكثر من مجرد موضوع مفبرك لا يرقى لوصفه بالخبر، وتداولته وسائل الإعلام في مصر على أوسع نطاق رغم أنه يحمل في مضمونه إهانة واضحة للمرأة المصرية. ولكن الجميع يسعى وراء الموضوعات المثيرة حتى ولو كانت مسيئة، ولكنه يسعى في المقام الأول إلى المصطلح الذي بات معروفا في مصر على نطاق واسع وهو "الترند". وخرجت من الحوار وأنا على يقين تام بقناعتي منذ بداية عملي حتى ولو اختلفت مع نظريات قديمة عتيقة وهي أن الرجل إذا عضّ كلبا فلا يرقى هذا الأمر ليكون خبرا، ولكنه موضوع يدعو إلى التحقق والتأكد من صحة الموضوع، فإن كان صحيحا فوجهة نظري أنه أيضا لا يستحق النشر، لأن المواطن في حياته الكثير من الأخبار والتي تتجاوز حد قيام الرجل بعضّ الكلب.

تابعوا برنامج بتوقيت مصر كل خميس في السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش التاسعة وخمس دقائق بتوقيت مصر على شاشة بي بي سي عربي.