جيل مختلف

بعد انتهاء دراستي الجامعية، قررت أن أخوض تجربة دراسة دبلوم متخصص في تعليم ذوي القدرات الخاصة التي يطلق عليهم في مصر ذوي الإعاقة أو ذوي الإحتياجات الخاصة. وتضمنت الدراسة جزء عملياً يَستلزم التواجد في مدارس التربية الخاصة كما يطلق عليها في مصر أو التي كانت معروفة وقتها باسم مدارس سوزان مبارك.

في المدرسة كان لا بد من المرور على جميع أنواع الإعاقة - وفقا للمصطلح الدارج في مصر- الموجودة وكانت أول مرحلة لي في "العقلي" كما يطلقون عليه داخل أروقة المدرسة. قاعة الدراسة بها عدد بسيط من الأدراج المدرسية وعدد أقل من التلاميذ، لا يوجد منهج محدد كما رأيت فقد قضيت هناك ما يقرب من ثلاثة أشهر وأداة المعلم الوحيدة التي رأيت كانت العَصا! نعم عصا رفيعة طويلة بطول المعلم الذي لا يهتم سوى بقضاء ساعات عمل محددة تضمن له أن يتقاضى أجره كاملاً، وخصوصاً أنه أجر مميز عن أجور المدارس العادية، لأن لها كادرها المالي الخاص. أما بالنسبة للطلبة فلا يعلمون لماذا يحضرون كل صباح إلى المدرسة، وبماذا يعودون آخر اليوم إلى بيوتهم

تلك كانت تجربتي.

تذكرتُ قصتي مع هذه الدراسة في هذه الفترة المهمة في حياتي أثناء تسجيل حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر والتي كانت مخصصة لمناقشة أحوال التعليم في مصر وهي من الحلقات الخاصة التي يحضرها مواطنون يوجهون أسئلة مباشرة إلى ضيوف يمثلون أطرافاً متعددة في منظومة التعليم في مصر. تذكرت القصة حينما عبّر أحد ضيوفي من المواطنين بعد نهاية الحلقة وهو طفل يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، عن اعتراضه على وجود أطفال الدمج معه في المدرسة معللاً ذلك بأن أحد الأطفال من ذوي القدرات الخاصة عضّ زميلاً له في الفصل.

تعجبت كثيرا من طفل في هذا العمر يرى ذوي القدرات الخاصة مختلفين ولا يتحمل الدمج معهم ولا أتحمل أنا أيضا أن أذكر نص ما قاله لي! ولن أشعر بأي تغيير في عملية التعليم في مصر إلا إذا تغيّرت نظرة تلاميذ المدارس لذوي القدرات الخاصة. ليست هذه هي المشكلة الوحيدة التي تواجه التعليم في مصر، بل سردَ ضيوفي مشاكل عديدة وأراء بناءة متنوعة وطرحوا آرائهم بمنتهى الجرأة، بل شهدت الحلقة مواجهة مباشرة بين الجمهور وعضو مجلس النواب الذي كان متحدثاً في الحلقة حول غياب المدرس عن المدارس الحكومية، والإعتماد الكبير على الدروس الخصوصية. ولكن في تقديري أن نظرة الطلاب لذوي القدرات الخاصة هي مؤشر قوي على تطوير التعليم في مصر. وفي تقديري أن من أبرز إيجابيات الحلقة هو ذلك الحوار الجريء الثري الذي دار بين جيل مختلف عما كنت أنا عليه، يعترضون إذا جاءت الأجابة غير مرضية أو غير واقعية لأنهم ببساطة يتحدثون من واقع معاش هم أهم أطرافه.

هذه الحلقة من أكثر الحلقات التي تركت في نفسي أثريين أحدهما سلبي والآخر إيجابي، السلبي هو أيهما نبدأ بالطالب أم المعلم أم المناهج أم 'تابلت' الوزارة الجديد لنقع في الفخ الذي وصفه المثل الشعبي المصري 'أيهما أولا.. البيضة أم الفرخة '. أما الإيجابي أن هناك أجيال مختلفة تماماً عما كنا عليه، فهي أجيال واعية، عندها من الجرأة الكثير وتتطلع للمستقبل بشغف، ولكني لدي خوف شديد بأن تتحطم أحلامهم على صخرة واقع الحياة.

أعتقد ما يميز هذه الحلقة ليس البحث عن حل ولكن هو التنفيث عن غضبٍ مكتوم داخل كل ضيوفي الذي شاركوني الحوار حول التعليم في مستهل عام أطلقت عليه الدولة عام التعليم.

تابعوا حلقة هذا الأسبوع من برنامج بتوقيت مصر في السابعة وخمس دقائق بتوقيت غرينتش التاسعة وخمس دقائق بتوقيت القاهرة.جيل مختلف

مواضيع ذات صلة