"كل ماسواه ترجماتٌ ركيكة.."

كنا نؤسس للمكتب الإقليمي لهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في الشرق الأوسط بالقاهرة. كنت حينها أصغر مذيعات ومذيعي بي بي سي العربية سناً إن لم أكن مخطئة. بعد الاختبارات انتقاني أستاذي رحمه الله حسن أبو العلا لأشارك زملائي المخضرمين والأحدث عهداً في آن معاً مسؤولية ساعات البث الأولى من القاهرة. انطلقنا بالفعل قبل غزو العراق، وفي داخل كل منا رهبتان: رهبة العمل بالمؤسسة الصحفية العريقة في ظرف المعاملات السياسية والعسكرية فيه شديدة الاشتباك والخصوصية. خاصة والمستجد منا آنذاك كان يعرف جيداً ما يستخدم ضد المؤسسة كلما احتدم صدام أخلاقي صحفي بينها وبين حكومة أو شخصيات ذات نفوذ من تفاصيل أزمة قديمة إبان حرب ١٩٥٦. ورهبة ترقب وقوع الحرب ذاتها، تفاصيلها وأطرافها، قبح الحرب في كنهه، وما يفضي إليه أيا من كان الغالب والمغلوب.

أما عن الرهبة الأولى، فقد حسمها أساتذتنا منذ اللحظة الأولى للانضمام للعمل في بي بي سي، القاعدة واضحة والمبدأ لا لبس فيه. فصل رأس المال عن التحرير. فصل السلطة عن الصحافة. رأينا ذلك المبدأ حياً مجسماً في كل لقاء أجريناه. حاورت عشرات المسؤولين البريطانيين، وللحق بالغت أحياناً في الضغط عليهم، برغم قلة خبرتي آنذاك - ربما لأدرأ عن ضميري المهني أي شبهة - في الاستجواب عن دوافع الحرب ومغانمها للولايات المتحدة وبريطانيا. اقتديت بأستاذي حسن أبو العلا رحمه الله، حين قالها لمسؤول بالخارجية البريطانية حين خلق برنامجه "حديث الساعة"، الذي سيبقى هو مقدمه ورئيس تحريره الأول مهما تعاقبنا على تقديمه عل مر السنوات: أنا من يطرح الأسئلة هنا. تعلمت من أساتذتي - والحق يقال أن معظم التلاميذ يحاولون السير على الدرب إلا قليل - أن للصحافة سلطة المساءلة، سلطة الحقيقة، وأن لا حقيقة مطلقة غير حقوق الإنسان، وأن الحياد والموضوعية لا يعنيان الميوعة والرمادية. قل الحقيقة. اسأل عنها. اسأل مرة، ومرة ثانية، وثالثة. واجه المسؤول بأنه لا يقول الحقيقة. كن مهذباً، لا تفتعل الإثارة، لا تكن رخيصاً وموجهاً، لا تكن بوقاً، ولامنحازاً، إلا للحقيقة، للمواطن. لا تدلس باسم الحياد. إن أخطأت فاعتذر. لا تخف. لا تخف التهديد ولا حملات التعريض ولا التخوين ولا التعالي على الصحافة. عدا ذلك - وأستعيرها مجتزأة مع الاعتذار لمولانا جلال الدين الرومي - “ عدا ذلك ترجمات ركيكة”.

لا زلت أذكر مقالاً استوقفتني نقاطه الخافية على كثيرين ممن يتابعون بث بي بي سي على مر العقود، من بينهم كثيرون من المنتمين إليها صحفيون ومشتغلون بالحرفة الإعلامية، حرره الزميل باسم كامل أثناء عمله معنا في عام ٢٠٠٧. المقال يمر على بعض المحطات التي شكلت تحدياً لمبدأ المؤسسة في فصل رأس المال والسلطة عن التحرير، ومن بينها أزمة حرب ١٩٥٦. إلى حضراتكم رابط المقال، إضغط على الرابط التالي.

ومقال آخر حررته الزميلة أروى عاصم في عام ٢٠٠٨، أثناء خبرتها الطويلة معنا أيضا عن نقاط مضيئة مشابهة، انتقيت لحضراتكم منها هذه الناردة في أيام القسم العربي الأولى لبي بي سي في ثلاثينيات القرن الماضي:

“وفي أول بث إذاعي لها للعالم العربي جاء الخبر الثالث في نشرة الأخبار الأولى للقسم العربي من بي بي سي كما يلي: "فلسطين.. نفذ حكم الإعدام شنقاً في عربي آخر من عرب فلسطين...." الخارجية البريطانية أعربت عن استيائها من ذلك الخبر وكتب أحد كبار المسؤولين فيها قائلا: هل يجب على بي بي سي أن تذيع خبر إعدام كل عربي في فلسطين؟ كما شكا آخر من أن التوجه العام لمسؤولي الاذاعة يتناقض مع أفكار وزارة الخارجية." إلا أن رئيس هيئة الإذاعة البريطانية في ذلك الوقت جيه بي كلارك برر طريقة تغطية بي بي سي العربية للاخبار قائلا إن "عدم التطرق إلى الحقائق الإخبارية غير المرحب بها وما يتبعها من إخفاء للحقيقية يعارض سياسة الهيئة”. وبهذه الجملة ثبتت بي بي سي العربية أقدامها منذ اللحظة الأولى لولادتها كإذاعة تتمتع بالمصداقية والدقة والحيادية والاستقلالية، وهو ما ظلت تحافظ عليه بعد سبعين عاماً على مرور تلك اللحظة.” رابط المقال: إضغط على الرابط التالي.

بدأت الحرب

الرهبة الثانية التي اعترت الجميع، كانت الحرب ذاتها كما أسلفت. للأسف نُفخ نفيرها مباغتاً سريعاً. صحفياً، قاد مكتب القاهرة ساعات البث الصباحية للخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية طوال فترة الحرب وما بعدها. ساعات العمل والضغط كان الأصعب على مدار أعوامي المهنية الستة عشر جميعاً. كل الزملاء في بغداد وأربيل والفلوجة والبصرة وعلى الحدود وفي دول الجوار، في لندن والقاهرة، في كل مكان بالشرق الأوسط عملوا فوق طاقة البشر. الحرب ضاغطة والعمل تحت وطأتها استثنائي.

المهم أن كثيرين وأنا منهم، شهود على كل حدث وكل مسؤول، على كل تصريح “خرج ولم يعد”، على كل سقطة وشاردة، على كل تقصير وكل إنجاز. لا زلت أحتفظ، كما يحتفظ أرشيفنا الإذاعي والإلكتروني بالكثير الكثير من الوقائع والتصريحات والتاريخ للعراق. لكنني لم أكن وحدي من يجمع الوثائق، يصنفها، يرتبها، ويصل بها للاستدلال. ففي شهر يوليو / تموز الفائت، خرج تقرير انتظرناه سبع سنوات، سير جون تشيلكوت كُلف بصوغ تقريره عن دوافع ذلك القرار عام ٢٠٠٣، الكلمة والإمضاء الذي حدد مصير شعب، ولربما المسارات المهنية والإخلاقية لعشرات القنوات الصحفية بوسائطها المتعددة.

مابين التقرير، وإصلاحات العبادي اليوم في العراق محطات كثرة كثيرة. كلها مرصودة وحقوقها لا تسقط بالتقادم، تماما كحقوق المدنيين العراقيين والبريطانيين والأمريكيين وكل من نالت منه تلك الحرب. حرب العراق ٢٠٠٣.

بين أوراقي التوثيقية للعراق ورقة مهمة: حقبة بول بريمر، الحاكم الأمريكي المؤقت لعراق ما بعد قدام وحكومته. كيف لنا أن نسائل أي من كان اليوم دون أن نفرز أوراق مجلس الحكم الانتقالي؟ دون أن نتمعن في تشكيلة الحكومة الأولى بعد الإطاحة بصدام حسين؟ كيف لنا ألا نقرأ هذه الوقائع، بل نبعثها من رقادها لتكون شواهد على الطريق نحو الحقيقة، إضغط على الرابط التالي.

في بلا قيود هذا الأسبوع أنفض الغبار عن صندوقي المحفوظ القديم عن العراق. أسأل د.علي علاوي الأكاديمي العراقي والوزير السابق في المجلس الانتقالي وحكومة بول بريمر، أحد المرشحين أخيراً من قبل حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي الحالي، قبل أن يعتذر عن الترشيح، أسأله عن عراق ٢٠١٦، عن د. أحمد الجلبي واستدلالات تقرير تشيلكوت عن الساسة العراقيين ودورهم في الأيعاز بقرار الحرب. ما حجم مسؤوليتهم عن دماء العراقيين؟ لماذا استعصت المعادلة السياسية العراقية إلى هذا الحد؟ ما حقيقة الورقة الشيعية التي وقعها وآخرون قبل الإطاحة بصدام؟ ماحجم مسؤوليته عن الخطاب الطائفي ونظام المحاصصة؟ لماذا ينادي بالعراق الأول وبحكم فيصل؟

بلا قيود - الأحد الخامسة والنصف مساء بتوقيت غرينتش على شاشة بي بي سي