كيف "أنجبت" حبوب منع الحمل ثورة اقتصادية

حبوب منع الحمل "أحدثت" ثورة اقتصادية مصدر الصورة Getty Images

يتفق الجميع على أن حبوب منع الحمل كان لها تبعات اجتماعية جمة.

وفي الواقع، كان هذا هو الهدف من وراء تلك الحبوب، حيث أرادت مارغريت سانغر، ناشطة تحديد النسل التي حثت العلماء على تطويرها، تحرير المرأة جنسيا واجتماعيا، لكي تصبح على قدم المساواة مع الرجل.

لكن حبوب منع الحمل لم تحدث ثورة اجتماعية فحسب، لكنها أحدثت ثورة اقتصادية أيضا - وربما كان ذلك أهم تغير اقتصادي في أواخر القرن العشرين.

ولكي نعرف سبب أهمية حبوب منع الحمل من الناحية الاقتصادية يجب أن ننظر أولا لما تقدمه هذه الحبوب للنساء. في البداية، حققت هذه الحبوب الغرض منها - وذلك عكس العديد من الوسائل الأخرى.

فعلى مدى قرون، جرب الرجال والنساء جميع أنواع الوسائل غير الجذابة لمنع الحمل، بدءا من روث التمساح في مصر القديمة وحتى توصية أرسطو باستخدام زيت الأرز، وطريقة كازانوفا باستخدام نصف ليمونة كغطاء لعنق الرحم.

لكن حتى البديل الحديث لحبوب منع الحمل - الواقي الذكري - لا ينجح بالقدر المنشود.

ونظرا لأن الناس لا يستخدمونه كما يُفترض، فإنه يتمزق أو ينزلق في بعض الأحيان. ولذا، فإنه من بين كل 100 امرأة يستخدم شركاؤهم الواقي الذكري لمدة عام، تصبح 18 امرأة حاملا. وهناك معدل فشل مماثل للإسفنجة المانعة للحمل. ولم يكن ما يعرف بالعازل الأنثوي أفضل بكثير.

لكن معدل فشل حبوب منع الحمل - مع الاستخدام النموذجي - لا تتجاوز ستة في المئة، وهي أكثر أمانا بثلاث مرات من الواقي الذكري.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption افتتحت مارغريت سانغر أول مركز لتنظيم الأسرة في نيويورك عام 1916

الثورة الاقتصادية

يتطلب استخدام الواقي الذكري الحديث مع الشريك، في حين توجد بعض الصعوبة في العازل الأنثوي والإسفنج. لكن قرار استخدام حبوب منع الحمل ينبع من المرأة نفسها، علاوة على أنه يتسم بالخصوصية. لذا، لم يكن غريبا أن تفضل النساء تلك الحبوب.

واعتمدت حبوب منع الحمل لأول مرة في الولايات المتحدة في عام 1960. وفي غضون خمس سنوات فقط، كان ما يقرب من نصف النساء المتزوجات الراغبات في تحديد النسل يستخدمونها.

لكن الثورة الحقيقية حدثت عندما بات بإمكان النساء غير المتزوجات استخدام حبوب منع الحمل. وقد استغرق ذلك بعض الوقت. وفي عام 1970 تقريبا، أي بعد عشر سنوات من الموافقة على حبوب منع الحمل لأول مرة، بدأت ولاية أمريكية تلو الأخرى تسهل عملية حصول النساء العازبات على حبوب منع الحمل.

وفتحت الجامعات مراكز لتنظيم الأسرة. وبحلول منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كانت حبوب منع الحمل هي الوسيلة الأكثر شعبية بأغلبية ساحقة بين النساء في عمر الثامنة عشرة والتاسعة عشرة في الولايات المتحدة.

وعندئذ بدأت الثورة الاقتصادية حقا.

بدأت النساء في الولايات المتحدة الدخول في مجالات دراسية مثل القانون والطب وطب الأسنان وإدارة الأعمال بعدما كانت في السابق حكرا على الذكور بدرجة كبيرة.

وفي عام 1970، كان الذكور يمثلون أكثر من 90 في المئة ممن يدرسون الطب، وأكثر من 95 في المئة من دارسي القانون وإدارة الأعمال، و99 في المئة من دارسي طب الأسنان. ولكن في بداية السبعينيات، ارتفعت نسبة النساء - نتيجة استخدام حبوب منع الحمل - في جميع هذه التخصصات. وفي البداية، شكلت النساء 20 في المئة، ثم 25 في المئة من هذه التخصصات، قبل أن يصل عددهم إلى الثلث بحلول عام 1980.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption لدى هؤلاء الخريجات من جامعة هارفارد حرية تطوير حياتهن المهنية قبل أن ينجبن أطفالا إذا رغبن في ذلك

التقدم المهني

ارتفعت نسبة الطالبات اللاتي يدرسن تخصصات مثل الطب والقانون بشكل كبير، وبالتالي ارتفعت نسبة النساء في تلك المهن بعد وقت قصير.

لكن ما علاقة ذلك بحبوب منع الحمل؟ لقد سمحت تلك الحبوب للنساء بالتحكم في خصوبتهن، وهو ما مكنهن من التركيز على حياتهن المهنية.

وقبل استخدام حبوب منع الحمل، لم يكن قضاء خمس سنوات أو أكثر للتخرج من كلية الطب أو الحقوق خيارا جيدا من حيث الوقت أو المال. ولكي تجني فوائد تلك التخصصات، كانت المرأة تحتاج إلى تأجيل الإنجاب حتى تصل لسن الثلاثين على الأقل.

وكان إنجاب طفل في وقت خاطئ يهدد بعرقلة دراسة الأم أو تأخير تقدمها المهني.

وكانت المرأة النشطة جنسيا التي تحاول أن تصبح طبيبة أو طبيبة أسنان أو محامية تشبه من يبني مصنعا في منطقة زلازل: فقليلا من الحظ السيء قد ينهي استثمارا باهظا.

تأجيل الزواج

ويمكن للمرأة ببساطة أن تمتنع عن ممارسة الجنس إذا أرادت الدراسة من أجل حياتها المهنية، لكن الكثيرات لا يرغبن في ذلك.

ولم يكن الأمر يتعلق بالمتعة فقط، لكنه كان يتعلق بالزواج. فقبل حبوب منع الحمل، كان الناس يتزوجون في سن أصغر. وكانت المرأة التي تقرر الامتناع عن ممارسة الجنس للتركيز على حياتها المهنية تعثر على زوج وهي في سن الثلاثين، وهو ما كان يعني أن الرجال المناسبين كانوا قد تزوجوا بالفعل.

لكن حبوب منع الحمل غيرت كل ذلك، فبات بإمكان المرأة غير المتزوجة أن تمارس الجنس في ظل احتمالات أقل بكثير للحمل غير المرغوب فيه.

كما غيرت الحبوب نمط الزواج كله، فبدأ الجميع يتزوج في سن متأخرة، حتى النساء اللائي لا يستخدمن حبوب منع الحمل.

وتأخر إنجاب الأطفال، وبات الإنجاب يحدث في الوقت الذي تختاره المرأة. وهذا يعني أن المرأة أصبح لديها الوقت الكافي للاهتمام بحياتها المهنية.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption هل أدى عدم توافر وسائل منع الحمل على نطاق واسع إلى عدم المساواة بين الجنسين في اليابان؟

زيادة المكاسب

جرى تشريع الإجهاض، ووضعت قوانين لمكافحة التمييز على أساس الجنس، وظهرت الحركة النسائية المطالبة بالمساواة بين الجنسين، علاوة على أن دخول الشباب الخدمة في الجيش الأمريكي للمشاركة في حرب فيتنام أجبر أرباب العمل على توظيف مزيد من النساء.

لكن دراسة إحصائية دقيقة أجراها لورانس كاتز وكلوديا غولدن، وهما اقتصاديان بجامعة هارفارد، تؤكد على أن حبوب منع الحمل قد لعبت دورا رئيسيا في السماح للمرأة بتأخير الزواج والإنجاب، والاستثمار في حياتها المهنية.

وراقب غولدن وكاتز مدى توافر حبوب منع الحمل للشابات في الولايات المتحدة، ولاية تلو الأخرى. وأظهرا أنه كلما أتاحت الولاية إمكانية أكبر للحصول على وسائل منع الحمل، كلما زاد معدل الالتحاق بالدورات المهنية، وارتفعت أجور المرأة.

وقبل بضع سنوات، استخدمت آماليا ميلر، وهي خبيرة اقتصادية، مجموعة متنوعة من الأساليب الإحصائية الذكية لإثبات أنه إذا تمكنت امرأة في العشرينات من عمرها أن تؤخر الإنجاب لمدة سنة واحدة، فإن أرباحها مدى الحياة سترتفع بنسبة 10 في المئة.

وكان ذلك مقياسا للمميزات الكثيرة التي ستجنيها المرأة في حال إكمال دراستها وتأمين مسيرتها المهنية قبل إنجاب الأطفال.

الواقع البديل

لكن الشابات في سبعينيات القرن الماضي لم يكن بحاجة إلى رؤية أبحاث آماليا ميلر، لأنهن كن يعرفن بالفعل أنها كانت صحيحة.

وعندما أصبحت حبوب منع الحمل متاحة، تقدمت الشابات لدورات مهنية طويلة بأعداد لا يمكن تخيلها.

ويمكن للمرأة الأمريكية اليوم أن تنظر عبر المحيط الهادئ من أجل رؤية الواقع البديل.

ففي اليابان، التي تعد واحدة من المجتمعات الأكثر تقدما من الناحية التكنولوجية في العالم، لم يُوافق على استخدام حبوب منع الحمل إلا عام 1999. وكان على اليابانيات أن ينتظرن 39 عاما أكثر من نظرائهن الأمريكيين لاستخدام نفس وسائل منع الحمل.

وفي المقابل، عندما جرى الموافقة على المنشطات الجنسية، مثل الفياغرا، لتعزيز الانتصاب في الولايات المتحدة، وافقت اليابان على استخدامها في غضون أشهر قليلة.

ومن المسلم به على نطاق واسع أن عدم المساواة بين الجنسين في اليابان أسوأ من أي مكان آخر في العالم المتقدم، إذ لا تزال النساء يناضلن من أجل الاعتراف بهن في مكان العمل.

ومن المستحيل فصل السبب عن النتيجة هنا، لكن التجربة في الولايات المتحدة تشير إلى أن ما حدث لم يكن من قبيل الصدفة، فتأخير استخدام حبوب منع الحمل على مدى جيلين، سيكون له تأثير اقتصادي هائل على المرأة.

ولا تزال هذه الحبوب الصغيرة تغير شكل الاقتصاد العالمي.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة