الازمة بعد عام: مداها وتبعاتها

يعيش العالم الان حالة تذكر لما اصطلح على اعتباره عين الازمة المالية العالمية وهو انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري في الولايات المتحدة، احد البنوك الاربعة الكبرى في العالم في مجاله، منتصف سبتمبر العام الماضي.

وتلك فرصة للتحليل والاستنتاج والتوقع في ظل ازمة الركود الاقتصادي العالمي الحالي لم يوفرها الاقتصاديون والمستثمرون منذ مطلع الشهر.

Image caption اعتبر انهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري قمة الازمة المالية العالمية

تتباين التقديرات الان بشأن حالة الركود وما اذا كان العالم قد مر بالاسوأ منه ام انه يتجه الى مزيد من التراجع.

ووسط مؤشرات تتوالى بشكل شبه يومي حول تحسن هنا ونمو هناك وتباطؤ في التراجع، يعتقد كثيرون ان الاسوأ قد مر وان منحنى الركود تجاوز القاع ولم يعد امامنا سوى انتظار التعافي.

وتتجه تحليلات كثيرين الان، وتصريحات المسؤولين عن السياسات الاقتصادية والمالية في الدول الكبرى والناشئة، للحديث عن مدى قوة التعافي او هشاشته.

يشجع على ذلك ان اقتصادات رئيسية في اوروبا واسيا، كالاقتصاد الالماني والفرنسي والياباني، تكاد تكون خرجت رسميا من حالة الركود في الربع الثالث من هذا العام.

ولا يعني ذلك انها بدأت تحقق نموا ايجابيا ـ أي فوق الصفر ـ وانما شهد الناتج المحلي الاجمالي لها تراجعا في الانكماش في الربعين الثاني والثالث من العام على التوالي.

وكما ان الركود يحدد تقنيا بتراجع النمو لربعين متتاليين، يحدد التعافي بزيادة النمو لربعين متتاليين ـ ويعد تراجع الانكماش (النمو بالسالب تحت الصفر) نموا يعني الخروج من الركود.

وربما يعود ذلك الى توفر بعض السعة الاضافية في تلك الاقتصادات ما سمح لها بمقاومة استمرار التراجع في النمو.

الا ان العامل الاهم في ذلك التحسن هو التدخلات الحكومية في قطاعات الاقتصاد المختلفة وفي مقدمتها القطاع المصرفي والمالي.

الركود والكساد

Image caption شبه البعض ركود الاسواق بالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي

واذا كانت الحكومات ومسؤولوها يروجون للتفاؤل الحذر، فذلك لانها انفقت من الاموال العامة ما يصل الى 18 تريليون دولار في شكل مساعدات انقاذ للبنوك والمؤسسات المالية ودفعات تنشيط اقتصادي.

اما المحللون والخبراء، الذين شبه بعضهم الازمة العالمية الحالية بالكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي، فلا يمكنهم تجاهل تلك المؤشرات الايجابية وان كانت ضعيفة لذا بدأت التعليقات تتناول شكل التعافي.

ولان التدخلات الحكومية اثرت في تنشيط الاقتصاد، او على الاقل الحد من تدهوره، تفادى الاقتصاد العالمي حالة الكساد، لانه في الكساد لا تجدي التدخلات نفعا. فالاكيد حتى الان ان الاقتصاد العالمي في ركود لم يصل الى كساد.

وربما لعبت الاقتصادات الصاعدة وسريعة النمو في اسيا وغيرها دورا اساسيا في درء خطر الكساد.

فمقابل انكماش بما بين 2 و5 في المئة في المتوسط السنوي في الاقتصادات الرئيسية التقليدية، حافظت الصين وكثير من دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا مثلا على نمو ايجابي ـ وان تراجع النمو بنسبة كبيرة قد تصل الى النصف.

مع ذلك يتخوف بعض الاقتصاديين من ان مؤشرات التعافي تلك قد لا تزيد عن كونها "فجر كاذب" وتحذيرهم بضرورة التعامل معها بحذر.

وفي حالة عدم اليقين تلك يصعب الحسم بان الركود الاقتصادي العالمي اتى كل أكله وان الكساد مستبعد.

وما يجمع عليه اغلبية المعلقين الان، وتعززه الشواهد من ارقام الاقتصاد الكلي وبيانات القطاعات المختلفة، ان المملكة المتحدة والولايات المتحدة تاتيان في ذيل الاقتصادات الرئيسية في مقياس التعافي.

ذلك ان كلا الاقتصادين البريطاني والامريكي يعتمدان في نمو الناتج المحلي الاجمالي على القطاع المالي اكثر من غيرهما ـ وهو القطاع الذي بدأت منه الازمة وكان الاكثر تضررا منها.

البداية

يشار الى ان بداية الازمة، وما اصطلح على تسميته بالانكماش الائتماني، كانت بانهيار قطاع العقارات في امريكا وما صاحبه من افلاس بنوك نتيجة اصولها الكبيرة من الديون العقارية الرديئة.

لكن بوادر النذر كانت من المصارف، وحتى قبل انهيار بنك ليمان براذرز العملاق ويمكن القول ان التحذير الاول كان من بنك بي ان بي باريبا الفرنسي في صيف 2007 حين ابلغ مستثمريه ان السيولة تبخرت تماما من صندوقين استثماريين تابعين له انكشفا على سندات دين مؤمنة بقروض عقارية رديئة في السوق الامريكي.

Image caption تدخلت الحكومات بتاميم مؤسسات الاقراض العقاري

وتوالت بعد ذلك الافلاسات واعلان الخسائر من نورذرن روك في بريطانيا الى يو بي اس في سويسرا.

وتوقفت البنوك عن الاقراض فيما بينها وتوفير خطوط ائتمان للمؤسسات، ومازالت حتى الان كلفة الاقراض الاستثماري عالية رغم التغيير الدرامي في السياسة النقدية للبنوك المركزية حول العالم بخفض اسعار الفائدة بشدة.

ومع اتضاح اسباب الازمة بسرعة، وهي بالتحديد انحراف الاسواق المالية والمصرفية في ابتكارها لمشتقات مالية وهمية، كان هم الحكومات والسلطات هو معالجة العرض وتاجيل النظر في المرض.

الدروس

وارتفعت اصوات تطالب بضرورة تشديد الاجراءات المنظمة للنشاطات المالية، لكن واشنطن ولندن ترددتا بشدة في ركوب تلك الموجة خشية نسف اسس السوق الحر.

ولا يبدو ان الدروس استخلصت بجلاء من الازمة، وربما لانها لم تنه بعد، وهناك ممن يعتقد انهم ساهموا فيها ينظرون الان لتجاوزها.

فالرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الامريكي الان جرينسبان يقول في مقابلة مع بي بي سي ان سبب الازمة هو "الطبيعة البشرية"، وكانه يعفي القطاع المالي والمصرفي وتجاوزه للقواعد والاصول من المسؤولية.

فجرينسبان، الذي ظل رئيسا للاحتياطي لنحو عقدين من الزمن، من اشد المعارضين لتقنين التعامل في الاسواق ومن المتحمسين للمشتقات المالية.

ويعتقد كثير من الاقتصاديين ان سياسات جرينسبان النقدية ـ بحفاظه على اسعار فائدة متدنية ـ ادت الى خلق سيولة زائدة عن الحد وتدهور معايير الاقراض ما قاد الى فقاعة اسعار العقارات في الفترة من 2004 الى 2006 ومن ثم انهيار الاسواق العام الماضي.

واذا كانت الحكومات تبحث الان في كيفية وقف الدعم وتدخلات التنشيط، وربما سحب قدر كبير مما ضخته من اموال مع ظهور التعافي، فان ذلك قد يخلق ازمة جديدة بسرعة ما لم يتم التعامل مع جذور اسباب الازمة الحالية.

صحيح ان تشديد اللوائح والقوانين قد يضر بالاسواق طالما استمرت الممارسات التي ادت الى الازمة، لكن تلك الممارسات ذاتها بحاجة الى اعادة نظر وتغيير جذري اذا اريد للتعافي ان يكون قويا بما يكفي لمنع الكساد وعدم تكرار ازمة بتلك الحدة.