مخاوف من ارتفاع التضخم في الخليج بسبب ضعف الدولار

قال محللون اقتصاديون إن من شأن تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي أن يتسبب بازدياد معدلات التضخم في دول الخليج الغنية بالنفط، وإن لم يكن من المرجَّح أن تعيد هذه الدول النظر في الوقت الراهن بأمر فك ارتباط عملاتها بالعملة الخضراء.

Image caption الانعكاس الأوضح لضعف الدولار سيتجلى بارتفاع أسعار الواردات

فبينما يواصل سعر صرف الدولار التراجع مقابل أسعار باقي العملات العالمية الأخرى، سوف يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي الست دفع أسعار أعلى لوارداتها من قارة أوروبا ومنطقة جنوب شرق آسيا، وهما أكبر مصدرين في العالم لواردات الخليج.

ويُتوقع أن تعود اقتصاديات دول الخليج، والتي تأثرت بشدة بالأزمة الاقتصادية العالمية، إلى النمو القوي العام المقبل، وذلك بفضل ارتفاع عائدات النفط، الأمر الذي سوف يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم.

وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الفرنسية، قال بول غامبل، مدير قسم الأبحاث في شركة "جدوى للاستثمار": "إن الانعكاس الذي سوف يكون أكثر وضوحا على دول الخليج في حال وجود دولار أمريكي ضعيف سوف يتجلى بارتفاع أسعار الواردات".

كساد وترهُّل

وقال غامبل: "إن ذلك لن يترجم بالضرورة فورا بحدوث ارتفاع في معدلات التضخم، وذلك طالما كان هنالك الكثير من الكساد والترهل في الاقتصاديات المحلية والعالمية، الأمر الذي يبقي معدلات التضخم تحت السيطرة."

لكنه أضاف قائلا: "سيغذي استمرار هبوط سعر صرف الدولار في نهاية المطاف التضخم، وقد ينجم عن هذا ارتفاع أسعار السلع التي تُستخدم كوسيلة للتحوُّط من ضعف الدولار".

وقد فقدت العملة الأمريكية حوالي 18 بالمائة من قيمة صرفها مقابل اليور منذ شهر آذار/مارس الماضي. لكن الخبراء يتوقعون أن يستمر الأداء الضعيف للدولار على المدى البعيد.

أسعار النفط

من جهة أخرى، ارتفعت أسعار النفط بنسبة تجاوزت 75 بالمائة منذ أن كانت قد حققت أدنى مستوى لها عندما بلغ سعر البرميل الواحد 34 دولارا في مطلع هذا العام.

يُشار إلى أن الكويت هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تربط عملتها (الدينار) بسلة عملات، وإن كان الدولار الأمريكي يشكل القسم الأكبر من هذه السلة، وبالتالي تراجعت قيمة الدينار أمام العملات الرئيسية الأخرى.

كما شهدت باقي دول مجلس التعاون، أي السعودية والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان, تراجعا في سعر صرف عملاتها مقابل العملات الرئيسية، وذلك بسبب ارتباطها التام بالدولار.

أسعار الغذاء

من جانب آخر، قال أمريت مكامالا، كبير المحللين في مركز الكويت المالي، إن التأثير الأكبر لتعثر سعر صرف الدولار سيتجلى بالارتفاع الحاد بأسعار المواد الغذائية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وأضاف بقوله: "نفترض أن انخفاض سعر صرف الدولار سيكون طويل الأمد، فالدولار الضعيف يرفع من أسعار الواردات، وخصوصا أسعار المواد الغذائية".

وأردف بقوله: "سوف يؤدي ذلك إلى ارتفاع التضخم المستورد، فالتضخم قد بدأ أصلا بالارتفاع في دول الخليج، ونتوقع أن يستمر هذا المنحى التضخمي خلال شهر كانون الأول/ديسمبر المقبل".

لكنه استبعد في الوقت ذاته أن تعود مستويات التضخم في دول الخليج إلى ما كانت عليه في عام 2008، وذلك عندما تجاوزت نسبة الـ 10 بالمائة في كل دول مجلس التعاون الخليجي، ما عدا في البحرين.

معدل التضخم

وتشير التوقعات إلى أن يصل متوسط معدل التضخم في دول مجلس التعاون في نهاية العام الجاري إلى حدود 2.9 بالمائة، وذلك مقارنة بنسبة 10.8 بالمائة العام الماضي.

لكن مكامالا توقع أن تعود معدلات التضخم في دول الخليج إلى الارتفاع في عام 2010، وذلك بسبب ارتفاع عائدات النفط والنمو الاقتصادي الذي يُتوقع أن يكون أسرع من الفترة المنصرمة.

وكانت معدلات التضخم المرتفعة في دول الخليج خلال السنتين الماضيتين قد أدت إلى نشوب جدل محتدم في تلك الدول بشأن صوابية الإبقاء على الارتباط بالدولار.

تباين

وقال غامبل في هذا السياق: "نتوقع أن تبقى أسعار الفائدة في الولايات المتحدة منخفضة جدا لفترة طويلة. ولكن بموازاة انتعاش الاقتصادات الخليجية سيظهر مجددا تباين بين أسعار الفائدة الأميركية وتلك التي يتطلبها اقتصاد الخليج".

واعتبر أنه إذا ما ترافق كل ذلك مع ارتفاع في التضخم، فإن الجدل حول فك الارتباط مع الدولار سيظهر مجددا.

وكانت معظم دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، قد رفضت الدعوات إلى فك الارتباط بالدولار على وقع ارتفاع التضخم. وأكدت تلك الدول عندئذ أن كلفة فك الارتباط أكثر ارتفاعا من كلفة الإبقاء على هذا الارتباط.

تجدد الجدل

أما مكامالا، فقال إنه من المبكر القول ما إذا كان الجدل حول الارتباط بالدولار سيظهر مجددا، لا سيما وأن دول الخليج تخطط لإطلاق عملتها الموحدة.

يُذكر أن "بنك أوف أمريكا ميريل لينش" كان قد أكد في تقريره الفصلي الأخير أنه لا يوجد خطر على ارتباط العملات الخليجية بالدولار العام المقبل، إذ أن ارتفاع أسعار النفط يعوض عن تراجع قيمة العملات الخليجية المرتبطة بالعملة الخضراء.

Image caption ارتفاع أسعار النفط يعوض عن تراجع قيمة العملات الخليجية المرتبطة بالعملة الخضراء

وقال التقرير: "لا نتوقع حدوث أي تغيير في سعر صرف العملات في المنطقة، أو أي فك لارتباط تلك العملات مع الدولار. وعلى هذا، الأساس نتوقع استقرار كل العملات الخليجية الرئيسية حتى نهاية 2010".

فوائض في الميزانيات

كما توقع المصرف أيضا أن تسجل معظم دول الخليج فوائض في موازناتها لعام 2009، وذلك بفضل ارتفاع أسعار النفط الخام، إذ أن تلك الدول كانت قد اعتمدت موازناتها للعام الحالي مع احتساب أسعار النفط عند مستويات منخفضة للغاية.

يُشار إلى أن سعر صرف الدولار الأمريكي كان قد شهد مؤخرا انخفاضا ملحوظا بعد نشر صحيفة الإندبندنت البريطانية تقريرا جاء فيه أن بعض دول الخليج تجري "محادثات سرية" لاستبدال الدولار كعملة رئيسية في تعاملاتها النفطية.

لكن كلا من السعودية والكويت سارعتا إلى نفي صحة ما جاء في تقرير الصحيفة ووصفتا التقرير بأنه "عارٍ عن الصحة تماما."