الدولار في الميزان: مستقبل الورقة الخضراء والدور الامريكي

دولار
Image caption هبط سعر الدولار بما يقارب 15 في المئة هذا العام

فقدت العملة الامريكية، الدولار، ما حققته من مكاسب لفترة قصيرة مع تذبذب مؤشرات اسواق العالم الرئيسية في موسم الاعلان عن بيانات الشركات الفصلية.

ولان سعر الدولار يتحرك عكس مؤشرات الاسهم عادة، فقد كان التذبذب في سعره انيا مرتبطا بحركة مؤشرات الاسهم.

لكن العوامل الرئيسية التي تحكم منحى هبوط الدولار في الاشهر الاخيرة، وتحديدا منذ بدء الازمة المالية والاقتصادية العالمية، لم تتغير لذا يتوقع استمرار هبوط العملة الامريكية.

ونتيجة اهتزاز الثقة في اكبر اقتصاد في العالم، الداعم للورقة الخضراء، يواصل المستثمرون والمضاربون بيع الدولار، فيهوي سعره مقابل العملات الرئيسية الاخرى في العالم كاليورو والين وغيرها.

وتواصل العملة الامركية هبوطا مضطردا تقريبا في قيمتها منذ مطلع العام زادت نسبته الان في المتوسط عن 15 في المئة.

ويحذو الجنيه الاسترليني حذو الدولار، فالاقتصادين الامريكي والبريطاني هما الاكثر تاثرا بالازمة ويعتمدان بشدة على القطاع المالي.

في المقابل يحافظ اليورو على مكانته كاقوى العملات الرئيسية من حيث القيمة مقابل العملات الاخرى منذ تعمقت الازمة الاقتصادية العالمية.

بينما يتذبذب سعر الين الياباني حسب حركة سوق العملات ارتفاعا وانخفاضا مقابل الدولار اساسا.

اما بقية العملات الاخرى فاما هي مرتبطة بالدولار تقليديا، كاليوان الصيني ومعظم عملات الدول العربية، او تقاس قيمتها سوقيا بالصرف بالدولار ايضا.

وبعيدا عن التذبذبات الطفيفة، يبقى تقييم المستثمرين والمحللين على المدى القصير هو هبوط قيمة الورقة الخضراء لاسباب عدة منها:

  • توقع استمرار معدلات الفائدة الامريكية منخفضة قرب الصفر لفترة اطول.
  • استمرار العجز المرتفع في الميزانية الفيدرالية الامريكية مع تباطؤ التعافي الاقتصادي.
  • تعمق مواطن الخلل البنيوية في الاقتصاد الامريكي التي كشفت عنها الازمة المالية الاخيرة.

ويرى كثير من المحللين ان العوامل الانية التي تؤثر في هبوط قيمة الدولار مرتبطة الى حد كبير بثقة المستثمرين اساسا في الاقتصاد الامريكي.

تطور التراجع

Image caption رغم ضعفه، لا يوجد بديل للدولار حتى الان كعملة رئيسية

يعود هبوط قيمة الدولار الى ما قبل سنوات، وربما بدا تطور التراجع منذ عام 2004.

تعتبر العملة الامريكية منذ اواسط سبعينيات القرن الماضي مخزن القيمة الرئيسية ومعيار التسعير التجاري والمالي في العالم.

لكن منذ بدأت الازمة العالمية العام الماضي اصبحت الورقة الخضراء موضوع جدل في انحاء العالم حول دوره كعملة قياس عالمية حلت محل الذهب منذ ما سمي بتوافق واشنطن قبل اكثر من ثلاثة عقود.

وارتفعت اصوات تطالب باستبدال الدولار، على الاقل كعملة رئيسية للاحتياطات الاجنبية، والتوصل الى عملة بديلة او سلة عملات من بين عملات التداول الدولي الرئيسية.

وحتى قبل الازمة، شهد الدولار استهدافا دوليا محدودا عندما قرر العراق قبل غزوه واحتلاله باشهر تسعير نفطه باليورو بدلا من الدولار، وقبل اشهر من الازمة الاخيرة ايضا اعلنت ايران انها ستسعر نفطها باليورو بدلا من الدولار.

وبلغت العملة الخضراء من هشاشة الوضع الان ان تقريرا صحفيا في صحيفة بريطانية هوى بسعرها في السوق وجعل المستثمرين يهرعون للتخلص مما لديهم من دولارات واصول مقيمة بالدولار.

وذكرت الصحيفة حينذاك ان مسؤولين من دول الخليج ومن الصين وروسيا وغيرها يناقشون تغيير تسعير النفط في الاسواق من الدولار الى عملة اخرى او سلة عملات.

ومع ان الاطراف التي ذكرت في التقرير نفت ذلك، لكن الاسواق تعي ان الدولار يتعرض لضغوط عالمية ـ وليس فقط يفقد من قيمته نتيجة ضعف اقتصاده (الامريكي) وتراجع القوة الاقتصادية العالمية لبلده.

فدول مثل الصين وروسيا تعرب عن ذلك من حين لاخر، وترى ان وضع الدولار لم يعد مستداما وبالتالي يجب البحث عن بديل دولي.

وترى بعض الدول الرئيسية في اوروبا وغيرها ان الامريكيين سعداء في قرارة انفسهم من تراجع قيمة عملتهم، فذلك يجعل صادراتهم اكثر تنافسية كما انه يقلل من قيمة ديونهم لبقية العالم وبالتالي يخفض العجز الامريكي بقدر انخفاض قيمة الورقة الخضراء.

الا ان اغلب تلك الدول، في الوقت نفسه، هي التي تحافظ على الدولار وتحميه من الانهيار التام.

فالصين، مثلا، التي تملك نحو تريليوني دولار من احتياطات النقد الاجنبي اغلبها بالدولار ومع ان قيمة احتياطاتها بالدولار تتراجع مع هبوط سعر الورقة الخضراء الا انها لا تستطيع التخلص من قدر كبير منها واستبداله باليورو مثلا او الين.

ففي تلك الحالة، واذا جارتها في ذلك دول تملك احتياطات نقد اجنبي هائلة بالدولار كاليابان وكوريا الجنوبية ودول الخليج وروسيا، ستنهار العملة الامريكية تماما وتخسر تلك الدول معظم احتياطاتها.

فافضل لها اذا ان تقل قيمتها وتخسر قليلا بدلا من خسارة كاسحة.

حيرة الريادة

ليس غريبا ان تلك الدول التي تطالب بعملة دولية جديدة تحل محل الورقة الخضراء هي اكثر الدول الدائنة للولايات المتحدة، اذ تملك الاقتصادات الصاعدة النسبة الاكبر (ربما ثلاثة ارباع) من سندات الدين الامريكية التي تقدر بنحو 7.5 تريليون دولار.

ومما يزيد الامر صعوبة على بقية دول العالم، ولا يزعج الامريكيين كثيرا، هو ان العملات الاخرى المرشحة لتحل محل الورقة الخضراء كعملة قياس دولي ومخزن عالمي للقيمة ليست مؤهلة لذلك حتى الان.

فالعملة الصينية، اليوان، وان كان وراءها اقتصاد قوي ينمو بسرعة وفائض مالي هائل الا انها لا تكاد تكون متداولة ابعد من هونج كونج.

ولا يمكن تصور ان يبدأ المستثمرون في شراء سندات او اصول مقيمة باليوان الا بعد زمن طويل.

وربما يكون اليورو هو الانسب بديلا للورقة الخضراء، فوراءه اقتصاد اوروبي مستقر والسندات المقيمة به تكاد تعادل قميتها قيمة تلك المقيمة بالدولار.

لكن المشكلة ان الاصول المقيمة باليورو موزعة بين عدة اقتصادات اوروبية متباينة في نموها وحتى هياكلها ونماذج تنميتها.

كما ان القدر المتداول دوليا من اصول باليورو ليس بالكبير.

وهكذا سيظل الدولار الضعيف يحتل مكانة رئيسية في العالم، ذي الاقتصاد الراكد حاليا، الى حين.

ولا يتوقع ان يبرز بديل فعال للورقة الخضراء كمخزن للقيمة والثروة في العالم، الا ان تذبل تماما وتموت انهيارا او تدب فيها الحياة مرة اخرى.