سؤال غير معتاد في دبي: نقدا أم ببطاقة الإئتمان؟

بطاقات ائتمان

حين دخلت محلا كبيرا لبيع الالكترونيات سمعت عبارة لم تعتدها الاذن في دبي في السنوات الاخيرة: "نقدا ام ببطاقة الائتمان؟"، قالها البائع الآسيوي لمشتر يجادل حول السعر.

وبالاستفسار عرفت ان البائعين يخفضون السعر اذا دفعت نقدا، فهناك خوف الان من التعامل بالائتمان ليس بسبب الازمة العالمية فحسب بل نتيجة اسباب محلية تتجاوز تعاملات البنوك.

مع ذلك هناك بيع وشراء في مراكز التسوق في دبي، وان لم يكن بذات وتيرة ما كان عليه قبل اكثر من عامين حين زرتها من قبل.

استفادت دبي، ربما اكثر من اي مدينة اخرى، من فترة الرواج الاقتصادي العالمي منذ مطلع القرن والان تعاني من الازمة الاقتصادية في العالم والمنطقة بشكل يختلف كثيرا عن غيرها.

يقول صحفي خليجي في دبي انه لولا شركة "طيران الامارات" لكانت الازمة اعنف في تاثيرها السلبي على دبي.

اذ تجلب الشركة عدة ملايين من المسافرين على خطوطها العديدة عبر دبي، منهم من يزور دبي ليوم او حتى ساعات في طريقه لوجهة اخرى ومنهم من يمكث فيها اكثر قليلا.

وحتى ان لم يتسوق كل هؤلاء الزوار فهم يستهلكون بعض خدماتها، وكلها مكلفة اذ تزيد الاسعار في دبي عن بقية مدن الخليج الرئيسية.

ذلك رغم ان عدة عواصم في المنطقة بدأت في سنوات الرواج "تقليد" دبي ببناء ناطحات السحاب ومراكز التسوق وتطوير خطوط طيرانها الوطنية.

النموذج

في بداية الازمة الاقتصادية، توقع البعض انهيار نموذج دبي الذي تتطلع اليه معظم بلاد المنطقة حتى دول راسخة مثل مصر.

لكن مثلما غالى الاعلام والمحللون في التهليل لذلك النموذج حين كان مبهرا وسط "الفقاعة" الاقتصادية العالمية ضخموا ايضا من تاثير الازمة عليه حتى اعتبروه "انهيارا".

وفي ظل توقف بعض المشروعات وهجرة العمالة الوافدة نتيجة الغاء فرص العمل واصدار سندات حكومية لتلبية متطلبات الدين الحكومي بدا وكان النموذج فعلا فشل.

وتبقى الحقيقة بين المغالاة والتضخيم، فقد تأثرت دبي بالازمة الاقتصادية العالمية وازمة الائتمان اكثر من غيرها لانها اكثر انكشافا على الاسواق العالمية وتستخدم ادواته المالية في الاقتراض والاستثمار.

وحين تتحدث الى سكان دبي التقليديين، الذين كانوا دائما معارضين لنموذج التنمية ـ المتوحش من وجهة نظرهم ـ الذي يقوده حاكم دبي ونائب رئيس الدولة ورئيس الوزراء الان، تجدهم لا يخفون سعادتهم لان الازمة اثبتت وجهة نظرهم.

مع ذلك، فالحقيقة على ما يبدو ان هناك شعورا يسود اغلب الاماراتيين اهل دبي وهو ان بلدهم الان اهدأ نشاطا واقل كثافة بالاجانب زوارا او مقيمين وفي ذلك تذكير بايام الرواج "المعقول".

Image caption تأثرت دبي بالازمة الاقتصادية

واذا كانت امارة دبي، التي تشكل مع ست امارات اخرى دولة الامارات العربية المتحدة، تمكنت حتى الان من تلبية التزاماتها المالية مع دائنيها لعدة مليارات من الدولارات فان امامها تحد جديد مع التزامات اخرى بنهاية العام ومطلع العام المقبل.

لكن الدين الرسمي الهائل لا يخجل قادة الامارة، كما هو الحال مع معظم قيادات دول الخليج الذين يعتبرون الدين عيبا. وكان ذلك جزء من "انسلاخ" دبي عن التقاليد الخليجية اقتصاديا وارتباطها اكثر بالاقتصاد العالمي وشروط عمله.

حملات

يسيطر الان على المجالس واللقاءات موضوع رئيسي هو الحملة على الفساد المالي والاقتصادي في امارة دبي، والتي تكتسب قوة من احاديث وتصريحات قائد شرطة دبي.

ومع ان الحملة حتى الان بعيدة عن "حيتان" كبار الا انها طالت بعض الاسماء الكبيرة في عالم اعمال دبي، وبعض تلك الاسماء مرتبط بمسؤولين كبار.

يؤكد المسؤولون ان لا احد فوق القانون وان تحقيقاتهم لن توفر احدا مهما كان حجمه ومكانته، وكانما تسعى السلطات لضبط ممارسات كانت "تمر" خلال الرواج.

معظم الاسماء التي تتناولها الشائعات استفادت من ميزات حكومية ورسمية وضخمت من قيمة اصول لتحقيق ارباح طائلة بشكل غير قانوني.

ومن لم يستفد من فترة النشاط والنمو يتمتم الان راضيا "ليعد الناس لله والعيش بتقواه"، وان ظل الشك بان احتمالات نمو ونشاط جديد كفيلة ان تولد "حيتانها" الجدد.

مشروعات

في السنوات الاخيرة توقفت عن استئجار سيارة لدى زيارة دبي، لكني كدت افعل هذه المرة ـ لولا كثرة اعمال الطرق والجسور.

فقد عادت شوارع دبي الى ما كانت عليه قبل اعوام قليلة: زحام لكنه محتمل. ولعل في الطريق الذي يربط دبي بالشارقة (حيث يعيش معظم من يعملون في دبي لرخص كلفة المعيشة) مؤشر على تبعات الازمة الايجابية من وجهة نظر السكان الاصليين ومن حافظ على وظيفته من المغتربين.

قبل عامين اصبح كل الوقت ساعة ذروة يتوقف فيها السير تقريبا على طريق الشارقة مع مرور حوالى 800 الف شخص بسياراتهم بين المدينتين.

ومع الازمة، وفقدان الالاف لوظائف وسفر اصحابها الى بلادهم الاصلية او الى بلاد اخرى بحثا عن عمل، انخفض العدد الى النصف تقريبا. وعادت ساعات الذروة محددة بالصباح والمساء وما بينهما ينساب السير جيدا.

ورغم كل شيء تحرص حكومة دبي على تسليم مشروعات في موعدها كما حدث مع مترو دبي الذي لم يزدحم بعد ـ فخطه الاول لم يفتتح فيه سوى نحو ثلث محطاته.

الحال نفسه مع برج دبي، الاعلى في العالم والعلامة الجديدة لمدينة مولعة بالايقونات الحديثة، الذي سلم ليفتتح اوليا في العيد الوطني للبلاد الشهر المقبل.

وحرصا على استمرار بعض النشاط لم تتوقف الحكومة عن انفاق ما يزيد على 20 مليار دولار على مشروعات البنية الاساسية.

فلم استطع حصر عدد المشروعات قيد الانشاء التي امر بها بين شارع وشارع، عشرات الكباري والجسور وطرق تشق واخرى تصان. مع ذلك هناك بنايات شاهقة توقف العمل في انشائها في منتصفه.

هدأ الفوران في دبي، وخبا وهج الانبهار لمن يعيشون فيها او يزورونها كثيرا ولم تعد جنة للعمالة الرخيصة الساعية لفرصة افضل.

لكن النموذج التنموي الذي اتبعته لا يمكن محاكمته الا في اطار ما يتعرض له الاقتصاد العالمي كله الان من مراجعات، وربما استفادت دبي من اصلاحاته مجددا.