اثر ازمة دبي على اقتصادات المنطقة

بورصة دبي
Image caption تراجعت اسواق دبي وابو ظبي بشدة في اول يوم تعامل بعد العطلة

حسنا فعلت دبي بان ازالت اللبس، حسن النية او المتعمد، بين ازمة شركة دبي وورلد والحكومة.

فرغم ان الشركة مملوكة للحكومة، لكنها تتعامل مع السوق بقواعده ولا تتحمل حكومة دبي تصور المقرضين ان الحكومة لن تترك شركة تابعة لها تتعثر.

واذا كان التقليد في الدول الخليجية، منذ ازمة سوق المناخ في الكويت مطلع الثمانينات وحتى الان، ان تتدخل الحكومات لانقاذ الشركات والافراد فان دبي تختلف.

ولان نموذج دبي المالي والاقتصادي بني على اساس قواعد السوق الحالية، واستفاد من الرواج المالي في تضخيم انجازاته، فان التصحيح يجب ان يكون على اساس تلك القواعد.

صحيح ان الدول الرئيسية في العالم تدخلت ماليا لانقاذ شركات كبرى حماية لاقتصادها من الانهيار، لكن صحيح ايضا انها تركت شركات كبرى ايضا تفلس وتنهار.

والاصل في اقتصاد السوق ان يصحح نفسه بنفسه، ولا تتحمل حكومة دبي وزر تصور المقرضين لشركاتها ان "العرف" الخليجي سيحمي لهم استثماراتهم بغض النظر عن حركة السوق من مكسب او خسارة.

ولعل التصريحات الرسمية الاخيرة من دبي تقنع بعض المحللين الذين يصرون على ان البلد انهار بان من يتعامل مع الشركات عليه توقع التبعات.

واذا كانت شركات الاستثمار، حتى المملوكة للحكومة، تعاملت بحدود غير مقبولة من المخاطر في نشاطها فالصحيح ان تترك لاعادة الهيكلة وربما التصفية اذا اقتضى الامر.

وفي ذلك تخلص للاقتصاد من التشوهات التي ابرزتها الازمة الاقتصادية العالمية وكانت غير مثيرة للانتباه في وقت الرواج.

مخاطر الخليج

حسنا فعلت دبي ايضا، ومعها ابو ظبي، بالتاكيد على ان "الدعم السيادي" الذي يتمناه الغربيون ليس متاحا بلا معنى ولا جدوى اقتصادية.

واذا كان البنك المركزي الاماراتي يعرض خط سيولة للبنوك فانه ليس مستعدا لانقاذ شركات فاشلة او متعثرة، حتى لو كانت مرتبطة بالحكومة.

ومن المهم هنا الاشارة الى ان وكالات التصنيف الائتماني التي خفضت صدقية مديونيات الشركات والبنوك في المنطقة اعتمدت على "التشكك في الدعم السيادي للكيانات المرتبطة بالحكومات (Government Related Entities (GREs".

ويذهب بعض المعلقين، خاصة في منطقة الخليج، الى ترديد تحليلات غربية تستند اساسا الى تصور خاطيء متعمد بشأن الدعم الحكومي للمؤسسات والافراد.

Image caption كانت البورصة المصرية الاكثر تاثرا بازمة دبي

وربما وجد خليجيون في تعثر شركة كبرى في دبي فرصة للنيل من نموذج انبهروا به وحنقوا عليه في آن، لكن الضرر ليس ببعيد عن اقتصادات دول المنطقة.

قد تكفي تراكمات عائدات النفط في الدول المصدرة للطاقة مثل السعودية والكويت وقطر لانقاذ افراد ومؤسسات تضرروا بالمليارات من الازمة المالية العالمية.

لكن ذلك يختلف عن التدخل الواضح والشفاف ـ وان تناقض مع حرية السوق المدعاة ـ لحكومات الدول الصناعية المتقدمة.

ومن ثم يصعب على أي مراقب تحديد حجم الانقاذ الحكومي في دول الخليج او مدى تاثيره، فاغلبه من الاسر الحاكمة لشركات عائلية او مستثمرين افراد مرتبطين بالسلطات.

واذا كان ذلك يطمئن المستثمرين الاجانب والشركات الحاصلة على العقود بان ارباحهم مضمونة من حكومات تخشى سمعة "ضيق ذات اليد"، فان احداث دبي تعد مؤشرا على ان هذا الاطمئنان ليس مضمونا الان.

وسيكون مفيدا ان تؤدي ازمة دبي الى انكشاف الكثير من المخاطر التي انطوت عليها اعمال مالية واستثمارية في بقية دول الخليج، فذلك بداية العلاج اذا ارادت تلك الاقتصادات تنقية التشوهات فيها.

الاستثمارات

لكن الاكثر تضررا من تطورات ما حدث في دبي هي الاقتصادات غير النفطية والتي اعتمدت في السنوات الاخيرة على تدفق استثماري خليجي، اكثره عبر دبي.

وتذكر هنا امثلة محددة كالمغرب وتونس ومصر والاردن وربما لبنان وسورية ايضا.

ورغم ان المسؤولين سارعوا الى التصريح بان ازمة دبي لن تؤثر كثيرا على اقتصاداتهم، فمن الصعب تصور ذلك مع غياب الارقام والمعلومات الذي تتميز به اغلب دول المنطقة.

ويمكن ببساطة الاشارة الى استثمارات بالمليارات لشركتين فقط من دبي في القطاع العقاري المصري هما اعمار وداماك.

وتاثرت تلك الاستثمارات سلبا بالفعل منذ بداية الازمة، وتبدو الان مهددة تماما بالاختفاء، لكن الوضع الان يمكن ان ينسحب على استثمارات خليجية اخرى.

كذلك شكلت استثمارات الصناديق التي تتخذ من دبي مقرا لها (وان ادارت اموالا لسعوديين او قطريين) قدرا معقولا من تعاملات البورصة المصرية ـ وهذا ما جعلها اكثر البورصات تاثرا باحداث دبي.

اما بورصة عمان في الاردن، فاغلب الاستثمارات الخارجية فيها خليجية، وهي الان مهددة بالانسحاب من السوق.

اما المشروعات العقارية والسياحية، الممولة باستثمارات مصدرها دبي، في تونس والمغرب فمصيرها الان محل جدل كبير.

ولا يقتصر الامر على الاستثمارات، بل كذلك على العمالة من تلك البلدان غير النفطية في الخليج ـ خاصة من يعملون في مجالات مرتبطة بالاستثمار والنشاط المالي والخدمات المعاونة له.

كانت دبي رائدة في الاستفادة من النظام المالي العالمي، والان تعاني تبعات تصحيحية شديدة نتيجة الازمة، لكنها في النهاية تتخلص من تشوهات اقتصادية بقدر من الشفافية.

وتبقى المشكلة في بقية اقتصادات المنطقة، النفطية منها وغير النفطية، التي تفتقر الى الشفافية وتنطوي على اختلالات وتشوهات لا يمكن حسابها.