المدارس الدينية في اندونيسيا: الايمان وقوى السوق

طلاب في مدرسة الأزهر
Image caption مدارس الأزهر نمت بشكل سريع

عندما نالت اندونيسيا استقلالها عام 1945، لم يكن التعليم أولوية بالنسبة الى الأمة الفقيرة. لم يكن بمقدور الحكومة أن تقدم التعليم مجانا لشعب غالبيته غير قادر على دفع التكاليف.

عندها دخلت المدارس الدينية على الخط، فجمعت المال وحشدت المصلين لحضور مدارسها.

وبعد أكثر من 60 عاما، باتت المدارس الدينية في اندونيسيا من أكبر المستفيدين من النمو الاقتصادي. فوفقاً الدستور، على الحكومة توفير التعليم المجاني حتى المرحلة الثانوية. ولكن بعض المدارس الدينية باتت لها مكانتها، وتقدم تعليماً عالي الجودة للاندونيسيين من أبناء الطبقة المتوسطة، في المدن الكبرى.

وتعد مؤسسة مدارس الأزهر الاسلامية التي أنشئت عام 1963، واحدة من أفخم الشبكات التعليمية في البلاد، مع أكثر من 103 مدرسة في أنحاء إندونيسيا، و26 ألف طالب.

فقد افتتحت الأزهر قبل سنوات قليلة جامعة في جنوب جاكرتا. وتفتخر بها اندونيسيا الى حد انها وضعتها على جدول زيارة رئيس الوزراء الصيني وين جياباو الى اندونيسيا في ابريل/ نيسانن 2011.

ويشكل المسلمون حوالى 90 في المئة من سكان إندونيسيا التي تنعم بنمو اقتصادي مستقر، بلغ 6.5 في المئة للعام 2011. ومن المستبعد أن تزاجه مدارس الأزهر صعوبات في جذب الأهالي الراغبين بالصلاة.

بدورها، تبدو المدارس المسيحية في وضع جيد. ولمؤسسة بينابور المسيحية للتعليم 62 مدرسة في جاكرتا الكبرى وضواحيها، مع حوالى 27 ألف طالب من الصفوف الابتدائية وحتى الثانوية. وهذه المدارس تابعة للكنيسة المسيحية الاندونيسية، وقد تأسست عام 1950 بهدف توفير التعليم للجالية الصينية، قبل أن تفتح أبوابها للجماعات العرقية المختلفة عام 1967.

وما زال التعليم الديني عنصرا رئيسيا في المنهج التعليمي بالأزهر ، ومع ذلك، تكرس سبع ساعات فقط أسبوعيا للدروس الإسلامية، من تعلم اللغة العربية الى دراسة القرآن.

تدخل هذه الدروس في المناهج الى جانب العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية، كما الحال في المدارس العلمانية التابعة للدولة.

يقول مدير التعليم الابتدائي والثانوي في مؤسسة الأزهر سيسيب كورنيا سوغوز: "إنها شخصية المبنى التي تجعلنا نقدم أكثر مما تقدم المدارس الحكومية". لكن شخصية المبنى لا تشترى بثمن بخس. وسيبغ الدخل القومي الإجمالي للفرد في إندونيسيا 3 آلاف دولار سنويا.

ريرين أرسلت ولديها الى الأزهر. وقد أنهى ابنها المرحلة الثانوية، فيما لا تزال ابنتها ترتاد المدرسة. تكاليف رسوم دخول ابنتها المدرسة الثانوية كانت 2500 دولار للسنة الأولى، بما في ذلك رسم الدخول والرسوم شهرية. أما الرسوم الدراسية للسنة الثانية وما يليها، فبلغ نحو 65 دولارا في الشهر.

قد لا يبدو هذا الرقم كبيرا، لكنه أكثر من نصف الراتب الشهري في جاكرتا.

Image caption مدارس بينابور تكرس 3 ساعات للصلاة أسبوعياً

أما في مدارس بينابور، فعلى الآباء دفع 4.700 دولار كرسم دخول وتعليم.

ولا ترى فيديا في هذا المبلغ مشكلة. وهي ترسل ابنتيها للتعلم في المدرسة المسيحية. وتبدأ الفتاتان يومهما الدراسي بالصلاة، مع العلم أن حجم المواد الدينية المدرّسة متواضع الى حد ما، وهي تقتصر على ثلاث ساعات أسبوعيا.

ويبدو أن هناك الكثير من الآباء والأمهات الذين، كما رينين وفيديا، على استعداد لدفع المزيد من أجل التعليم الخاص.

يقول روبرت روبيانتو رئيس مدارس بينابور: "حقيقة أن عدد مدارسنا وطلابنا في نمو، هي مؤشر على أن ما نقدمه مقبول في السوق".

وأشار روبيانتو الى النتائج التي حققها طلابه في المسابقات الوطنية والدولية، كإحراز الميدالية الذهبية في الأولمبياد الرياضي في جنوب شرقي الصين لعام 2011 والميدالية الفضية في الأولمبياد الدولي للبيولوجيا لعام 2011 في تايبيه.

مدارس جديدة

وفيما لمعظم المدارس الدينية جذور تاريخية، ألهم النمو الاقتصادي منظمات جديدة لإنشاء مدارس جديدة.

فكان افتتاح المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية ، مدرستهالاثانوية الأولى عام 2007 بـ40 تلميذاً، وتضاعف الرقم اليوم ليبلغ 140 تلميذاً. وجميعهم يبيتون في مهاجع المدرسة في سيكارانغ، غرب جاوة.

وكما غيرها من المدارس الداخلية، يسمح للطلاب بالمكوث لدى أهاليهم لفترة وجيزة في الأجازات.

ومن العناصر المغرية لدى هذه المدرسة، كونها مرفقاً حديثاً، فهي مزودة بمكيفات الهواء وأجهزة الكمبيوتر الحديثة، فضلا عن الدروس العالية المستوى التي يقدمها مدرسون من حملة الشهادات العليا.

يقول زري نوفيان، كبير المدرسين في المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية: "مفهومنا يرتكز على تقديم الافضل للطلاب. ومن الامثلة على ذلك اننا ندفع فاتورة كهرباء خاصة تضمن لنا الحصول على الكهرباء في وقت تتعرض فيه هذه المنطقة لانقطاع في التيار".

لكن التعليم الأفضل كلفته اعلى. ويدفع أهالي الطالب الراغب بالالتحاق بالمدرسة الداخلية هذه 9 آلاف دولار.

وعلى الطلاب في السنتين الأولين الانضمام الى رحلات للخارج. وكانت الخيارات العام الماضي التعرف على "قيم الشرق" في الأردن، و"قيم الغرب" في كندا. وأمضى الطلاب شهراً في أحد البلدين، ودفع أهلهم 5 آلاف دولار للرحلة.

يقول هرمان سني، وهو رجل أعمال يرسل ثلاثة من اولاده الى المدرسة الدولية الداخلية الإسلامية: "أعتقد ان المبلغ الذي ننفقه زهيد مقارنة مع المردود الذي نتلقاه. تروقني طريقتهم في التدريس، والمال ليس بمشكلة". وقد ضمن اثنان من ابنائه مكانهما في جامعة اندونيسيا، إحدى اعرق الجامعات في جاكرتا، على امل أن ينضم ابنه الثالث شقيقيه الكبيرين لاحقاً.

تجارة

وكما حال المدارس الخاصة في دول العالم، تنتقد المدارس الدينية في اندونيسيا لكونها تسعى الى الربح، بعدما سوقت لنفسها في البداية كجمعيات خيرية. الأمر الذي ينفيه القيمون على هذه المؤسسات.

يقول روبرت روبيانتو ان المال كله ينفق لتسديد اجور المدرسين وتحديث المدارس وتوسيعها.

وينفي الأزهر أن تكون رسومه مرتفعة. يقول سوغوز: "كل احتياجات الطلاب يتم تغطيتها، كالكتب والزي المدرسي والأنشطة خارج الصفوف. قد تكون الرسوم في المدارس الأخرى تبدو أقل، لكن النفقات التي تلحق ذلك تجعلها أكثر كلفة في نهاية المطاف".

وتقدم كل من الأزهر وبينابور منحاً تعليمية للطلاب من خلفيات خاصة وأبناء المدرسين والأسر الفقيرة.

واذا كانت المدارس الدينية مكلفة، إلا أن هناك مدارس دينية اخرى ما زالت مجانية، توفر التعليم المجاني للفقراء في البلدات الصغيرة والقرى في 13 ألف جزيرة، هي عدد جزر إندونيسيا.

ومع ذلك، ليس هناك ما يضمن أن المدارس الدينية ستظل تقدم التعليم المجاني مستقبلاً، وتحديداً عندما ينمو اقتصاد اندونيسيا بشكل أسرع، وحين تدخل قوى السوق والمدارس الدينية في منافسة مباشرة.

المزيد حول هذه القصة