ازمة الديون السيادية: هيكلية اكثر منها مالية

البنك المركزي الاوروبي
Image caption ارتفعت نسبة الدين السيادي لكثير من الدول الاوروبية الى ما يقارب حجم الناتج المحلي الاجمالي

من الطبيعي ان تستدين الحكومات في النظام الاقتصادي الراسمالي لتمويل الاستثمار والانفاق العام.

ومنذ الكساد الكبير في عشرينيات القرن الماضي والحكومات تقترض محليا ومن الخارج عبر اصدار سندات دين لتمويل المشروعات العامة.

ومع نمو الاقتصاد وزيادة العائدات العامة من الضرائب والرسوم تتمكن الحكومات من تسديد ديونها، وتقليل العجز في الميزانية.

لكن الدين الحكومي، اي السيادي، يصبح مشكلة حين تزيد نسبته من الناتج المحلي الاجمالي عن النصف ويبدو عجز الميزانية في ازدياد ودون افق لتحسن عائدات الدولة.

وهذا ما حدث في العقود الثلاثة الاخيرة، وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية واوروبا، اذ ان الحكومات توسعت في الاقتراض ولم تعبأ كثيرا بمستويات الدين السيادي الخطرة مع توقع استمرار التحسن الاقتصادي.

ومع الازمة المالية التي ضربت العالم عام 2007، انفجرت فقاعة مالية هائلة هزت اسس الاقتصاد الراسمالي ككل.

خلل التمويل

وكان لانهيار مصارف كبرى وانكشاف اخرى على ديون معدومة هائلة اثر سلبي بعيد المدى على الوضع المالي العالمي ككل.

لكن الضرر الاكبر كان في الاقتصادات التي توسعت في القطاع المالي وتحديدا امريكا واوروبا الغربية.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، توسع القطاع المالي في العالم بشكل ادى الى تغير طبيعة التمويل في الاقتصاد الراسمالي.

يقول المحلل الاقتصادي ابراهيم خياط: "حينما تم التلاعب في النظام المصرفي، حرف التمويل ليصبح جزءا من عملية المضاربة والربح فقط بدون الانتاج. هكذا بدات الازمة الحقيقية".

ولم يعد القطاع المصرفي والمالي اداة ووسيلة ضمن النشاط الاقتصادي الاوسع فحسب، بل اصبح نشاطا مستهدفا بحد ذاته.

لذا، عندما دخل القطاع في ازمة تاثرت ماليات الحكومات وميزانيات الدول في الاقتصادات الرئيسية.

يقول المصرفي العربي في لندن حميد حسين: "عندما خسرت البنوك في امريكا، مثل انهيار ليمان براذرز وسيتي غروب كان سعر السهم 90 دولار وصل الى 1.5 دولار، قامت الحكومات الاوروبية بضخ كميات كبيرة من السيولة في هذه البنوك لخوفها من ان انهيار البنوك الكبيرة والرئيسية في البلدان الاوروبية، وهكذا فعلت امريكا ايضا".

جدوى الانقاذ

مصدر الصورة PA
Image caption اثر انقاذ البنوك في الازمة المالية سلبا على ميزانيات الحكومات

وهكذا، تعاظمت الديون السيادية واقتربت من مئة في المئة من الناتج المحلي الاجمالي او زادت الى مرة ونصف ضعفه كما هو الحال في اليونان.

ويرى كثير من المحللين ان السبب في تحول الديون السيادية الى ازمة تهدد بدخول العالم في ركود اقتصادي ثاني هو الازمة المالية السابقة وطريقة تعامل الحكومات معها.

يقول مدير تحرير صحيفة العالم اليوم الاقتصادية سعد هجرس عن الازمة ان "سببها الرئيسي هو طريقة حل ازمة 2008، وتحميل تبعات تلك الازمة للقطاعات العريضة من الناس لصالح الشركات الاحتكارية الكبرى، وفي نفس الوقت عدم الشجاعة في مواجهة تلك الوقائع. وبالتالي ما حدث كان محاولة للترميم والترقيع في اقتصادات قائمة على بالونات في حقيقة الامر".

ويفصل ابراهيم خياط ذلك قائلا: "اقترضت الدول وافترضت ان الازمة لن تستمر اكثر من 3 او 4 اعوام وتستطيع ان تسترد اموالها. وفجأة وجدنا ان المصارف رغم انها حصلت على الدعم احجمت عن الاقراض وبالتالي اصبح الاقتصاد مكشوفا ولا يحصل الناس على التمويل لتجارتهم ونشاطهم الاقتصادي".

ويضيف: "في الوقت ذاته الاقتصاد لم يتعاف وتراجعت التجارة العالمية تراجعت وانكمشت وهكذا استمرت الازمة ولم تنفع الحوافز الحكومية. ووجدت الحكومات نفسها لا تستطيع زيادة الضرائب كي لا يزيد الانكماش الاقتصادي، اي انها لا يمكنها زيادة عوائدها لسداد القروض وليس هناك في الافق ما يبشر بامكانية الحصول على اموال لخدمة ديونها".

اصلاح ام تغيير

ويتفق كثير من المحللين على ان اجراءات الانقاذ المالي وضخ مزيد من اموال دافعي الضراب في القطاع المصرفي والمالي لتفادي انهيار مالي اخر ربما لا تحل الازمة.

ويذهب المتشائمون الى ان ازمة الديون السيادية ما هي الا عرض اخر لمرض عضال في النظام ككل، وان الازمة الاقتصادية هيكلية اكثر منها مالية.

يقول سعد هجرس: "ما نراه الان هي اعراض لمرض اساسي هو ازمة الراسمالية العالمية في هذه المرحلة وهي ازمة تصل الى ابعاد غير مسبوقة وليست مجرد ازمة مالية وانما ازمة هيكلية ونحن نعيش الان في ظل اهم حركة احتجاجية ضد الراسمالية ككل وهي حركة احتلوا وول ستريت".

وهكذا لا تبدو الحلول الجزئية التي تطرح الان كافية لتفادي دخول الاقتصاد العالمي في ركود مجددا وربما كساد.

وما لم يتم التعرض للاسباب الجذرية للازمات، بمعنى التصدي للعلل الهيكلية بدلا من اجراءات الترقيع، فلن تحل ازمة الديون السيادية تماما في المدى القريب.

المزيد حول هذه القصة