صعود أفريقيا اقتصادياً: من المستفيد؟

التسوق
Image caption مجمعات التسوق الحديثة آخذة بالانتشار في أفريقيا

دول أفريقية كثيرة من بين الاقتصادات الأسرع نموا في العالم، ويبدو أن مستقبل القارة سيكون مشرقا، ولكن هل تعكس أرقام النمو تحسنا في نوعية الحياة؟

وفي وقت يؤدي الركود الإقتصادي الطويل إلى عجز مالي للعديد من دول العالم الغربي، يكشف خبراء الاقتصاد أن افريقيا تضم العديد من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم.

ويشير البعض إلى حقيقة إن معدلات النمو المرتفعة ينبغي أن يُنظر إليها في سياقها المناسب، لأن الاقتصادات الإفريقية، التي تعد صغيرة نسبيا في أغلبها، آخذة في التوسع، وتحقق نموا مدهشا بشكل قد يبدو غير متناسب.

ولكن في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة وبريطانيا جاهدة للخروج من حالة الركود الطويلة، وتعاني فيه دول أوروبية أخرى مثل اليونان وأسبانيا من معدلات بطالة مرتفعة، يقول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إن دولاً مثل غانا وإثيوبيا ورواندا وموزمبيق تشهد ازدهارا اقتصاديا.

ويُرجع الكثيرون هذا الاتجاه إلى ما يعتقدون أنه الطبقات الوسطى الصاعدة التي تزدهر في العديد من الدول الإفريقية.

وقال كبير الخبراء الاقتصاديين في البنك الإفريقي للتنمية، متهولي نكوبي، إن هذا المسار الصاعد لإفريقيا "لا يمكن وقفه"، وبالنسبة إلى الخبير الإقتصادي الشهير جيفري ساكس، أصبح الهاتف المحمول رمزا لهذا الفجر الجديد للقارة الإفريقية.

وقال ساكس إن الهاتف المحمول، ومع خاصية الوصول إلى الإنترنت التي يوفرها، يعد الأداة الوحيدة صاحبة الإسهام الأكبر في الإنتقال نحو التنمية.

ويمتلك أكثر من 70 في المئة من الشباب في نيجيريا هاتفا محمولا، وهي الدولة الإفريقية الأكثر كثافة من حيث عدد السكان.

وفي كينيا، أتاح انتشار برامج خدمة الدفع من خلال الهاتف المحمول فرصا عديدة أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم من خلال توفير وسيلة أكثر سهولة ومرونة في ما يتعلق بالمعاملات المالية والخدمات المصرفية.

ويستطيع المزارعون هناك على سبيل المثال أن يحصلوا على آخر أسعار السوق من خلال رسالة نصية واحدة، أو أن يجمعوا المعلومات المتعلقة بحجم المبيعات، وحجم المخزون من خلال هواتفهم المحمولة.

كما خلق الانتشار الواسع للهواتف المحمولة في أفريقيا شريحة جديدة من رجال الأعمال الذين يمكن أن يتواجدوا في مدن بعيدة عن داكار، ودار السلام، ودوربان، حيث يقوم الباعة الجائلون الذين يحملون هواتف محمولة ببيع المكالمات الهاتفية للزبائن.

فهذا سالم إيفوديدي، أحد هؤلاء الباعة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والذي يبدو أنه يصنف كأحد العمال من أصحاب الطموحات الذين يعتقد أنهم يتقدمون الطبقة الوسطى الصاعدة في إفريقيا.

ويصل إيفوديدي إلى نقطته المعتادة في أحد الشوارع المزدحمة في العاصمة كنشاسا في الساعة السابعة صباحا، حيث يقف بجوار عدد آخر من الباعة الجائلين الذين يعملون في مجال بيع المكالمات الهاتفية عبر المحمول، ويعمل قرابة 12 ساعة كل يوم.

ويقول إيفوديدي: "لدي عائلة، ولدي زوجة وأربعة أبناء، وقد تمكنت من أن أرسل ثلاثة منهم إلى المدرسة ليتعلموا، كما قمت باستئجار منزل لنا."

ويضيف: "أنا أقوم بهذا العمل منذ عام 2005، أي لأكثر من سبع سنوات، وهناك تطور بالفعل، فهناك المزيد والمزيد من الزبائن، حيث ينفق الناس في الكونغو الكثير من أموالهم على الاتصالات الهاتفية."

ويطمح إيفوديدي أن يبدأ نشاطا تجاريا خاصا به، كما يأمل أن يساعده المال الذي يجمعه من عمله الحالي في كسب مزيد من المال اللازم لإطلاق مشروعه.

وقد أصبح مفهوم "صعود إفريقيا" – وهو التعبير الذي صاغه الصحفيون للإشارة إلى فكرة التنمية الاقتصادية في هذه القارة – مفهوما مبتذلا لدى البعض، كما يقول المدونون على الإنترنت إنه أصبح أحد التعبيرات الثقافية المنشرة.

وقامت صحيفة الإيكونومست، والتي وصفت إفريقيا عام 2000 بأنها "القارة اليائسة"، بتغيير هذه الفكرة بعد ذلك بأكثر من عشر سنوات من خلال تغطية خاصة للقارة الأفريقية تنظر إليها الآن بصفتها القارة الواعدة.

ولكن تحت سطح ما يبدو أنه بشرى لهذا الجزء من العالم الذي كانت تصوره وسائل الإعلام الغربية في السابق على أنه قد مزقته الحروب والمجاعات، لا تزال هناك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات، ومنها: ما الذي يشكل وضع الطبقة الوسطى في إفريقيا؟ وهل هذا التعبير يشير حقا إلى نوعية جيدة من الحياة؟

أسرع الاقتصادات نمواً في العالم (متوسط النمو السنوي للناتج الإجمالي المحلي):

المصدر: البنك الدولي

أسطورة الطبقة الوسطى؟

وتُعرف الأمم المتحدة الشخص الذي ينتمي للطبقة الوسطى على أنه الشخص الذي يعيش على مبلغ 10 إلى 100 دولار يوميا.

لكن البنك الإفريقي للتنمية يحدد هذا المعيار من اثنين إلى 20 دولار يوميا، والذي يقول البنك إنه الحساب المناسب نظرا لتكاليف المعيشة في القارة الأفريقية. كما تعرف الطبقة الوسطى هنا وفقا لمتوسط دخل الفرد، والذي يقل في إفريقيا مقارنة بالغرب.

ويقول عبدالجليل، وهو مدرس للغة الإنجليزية في إحدى مدارس مدينة مَبوتو عاصمة موزمبيق، إن المال الذي يحصل عليه من وظيفته، مع الدخل الإضافي الذي يحصل عليه مقابل الدروس الخصوصية للكبار، يضعه بالضبط ضمن أفراد الطبقة الوسطى.

ويقول عبدالجليل: "يتوقف الأمر على حجم عائلتك، وأنا متزوج وأب لطفلين، وهذه ليست عائلة كبيرة."

ويضيف: "وتعمل زوجتي أيضا كمعلمة، ولو كنت أنا الشخص الوحيد الذي يعمل، ما كنت لأرضى بهذا المال."

Image caption تكنولوجيا الاتصالات تجتاج القارة

ويرى البعض أن مفهوم الطبقة الوسطى بوصفها محركا للنمو مجرد أسطورة، وأن الثروة الناتجة لا يتم تقاسمها مع أفراد المجتمع الأوسع.

وبدلا من ذلك، فإن أفراد مثل هذه الصفوة المحلية، والمستثمرون الأجانب من الصين، والهند، والبرازيل، هم الذين يستفيدون من وفرة الموارد الطبيعية، والرغبة المتزايدة للشركات في القيام بأعمال تجارية في إفريقيا.

وقال تقرير صدر الشهر الماضي عن الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان إن التهرب الضريبي، وصفقات التعدين السرية، والتحويلات المالية، تحرم إفريقيا من فوائد الطفرة التي تشهدها القارة في مواردها.

وقال التقرير إن مثل هذه الأعمال تكلف القارة نحو 38 مليار دولار سنويا.

ويقول دنكان كلارك، من شركة الاستشارات العالمية غلوبال باسيفيك إن الواقع هو أن إفريقيا لديها طبقة وسطى صغيرة، وأن هؤلاء الذين يعيشون على مستوى دخل الطبقة الوسطى العالمية يشكلون أقل من خمسة في المئة من سكان القارة الافريقية.

ويقول كلارك إن الإقتصاد غير الرسمي لا يزال هو حجر الأساس للاقتصاد في القارة الافريقية.

تغيير الآفاق

وفي غانا، والتي يُستشهد كثيرا بنجاحها الاقتصادي الذي يستفيد نسبيا من اكتشافات النفط الحديثة لديها، يختلف واقع الحياة لدى ما يسمى بالطبقة الوسطى عن تجارب هؤلاء الذين يعيشون في أجزاء أخرى من العالم.

ويجري حاليا ترشيد الكهرباء في غانا، والتي تعاني من نقص في المياه، كما تشهد البلاد إضرابا للأطباء عن العمل والذين يحتجون على خفض رواتبهم.

وفي الوقت نفسه، يقال أن الناس الذين يتناسب وضعهم مع شريحة الطبقة الوسطى يتم استبعادهم من بين هؤلاء الذين لديهم ممتلكات رئيسية، بينما المغتربون وأبناء الطبقة العليا يقومون بتأجير أو شراء الممتلكات الفاخرة.

وقال تقرير صادر عن البنك الإفريقي للتنمية محذرا: "يقترن النمو بخفض غير كاف لمستويات الفقر، والبطالة المستمرة، والتفاوت المتزايد في الداخل، بالإضافة إلى تدهور مستويات الصحة والتعليم في بعض البلدان."

وهناك عدد قليل من الدول التي تلخص مثل هذا الإنقسام أكثر من أنجولا التي تتمتع بمعدلات نمو مرتفعة بفضل احتياطات النفط والغاز الضخمة لديها.

لكن أغلب السكان المحليين هناك لا يبدو أنهم يستفيدون من هذه الطفرة في الموارد الطبيعية، مع وجود نحو ثلثي السكان في البلاد يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، وفقا لتقديرات البنك الدولي.

إلا أنه يبدو أن بعض البلدان الأخرى قد وجدت طرقا لتقاسم الثروة الناتجة عن الموارد الطبيعية، فقد استخدمت بوتسوانا الإيرادات القادمة من مناجم الماس في تنفيذ استثمارات ضخمة في مجالي التعليم والرعاية الصحية.

كما استطاعت من خلال تعليم السكان المحليين كيفية تقطيع وصقل الماس أن توفر فرص عمل من أجل تقاسم الثروة، ولضمان عدم الحاجة لوجود شركات متعددة الجنسيات من أجل الخبرة.

ويشير هؤلاء الذين يعتقدون أن الحياة تتحسن على مستوى القارة الإفريقية إلى الآفاق المتغيرة للعديد من المدن الأفريقية، حيث يتم بناء الشقق الحديثة والمباني المخصصة للمكاتب في المدن الرئيسية المزدحمة، مثل لاجوس، ونيروبي، وجوهانسبرج من أجل تقديم جيل جديد من المساكن ومكاتب العمل.

وفي الوقت نفسه، هناك مراكز تسوق جديدة تتيح فرصا لإنفاق الأموال التي يتم الحصول عليها بشق الأنفس.

المصدر البنك الدولي

لكن من المبكر جدا أن نقول ما إذا كان هذا الجيل الجديد من الإنشاءات سوف يقابله تحسينات واسعة النطاق في نوعية الحياة التي يتمتع بها الأفارقة.

ويتحدث عبد الجليل من موزمبيق، والذي يقطن على بعد 15 كم خارج العاصمة مبوتو في منزل عائلته، حول آماله المستقبلية، حيث يقوم ببناء منزل جديد، كما أنه يعتقد كما يعتقد إيفوديدي من الكونغو الديمقراطية أن مفتاح النجاح في حياة الطبقة الوسطى هو أن تصبح رجل أعمال.

ويقوم عبد الجليل، والذي يعمل مدرسا، بالاستثمار في حافلة صغيرة وذلك لاستخدامها كحافلة مدرسية لنقل التلاميذ. وقد تم تمويل نصف تكلفة المشروع تقريبا من خلال قرض بنكي، والنصف الآخر من خلال مدخراته الشخصية.

ويقول عبد الجليل: "إنه أمر معتاد أن تدير عملا تجاريا صغيرا كعمل جانبي، فأنت لا تستطيع أن تعتمد فقط على راتبك."