الأزمة السورية: الوقع الاقتصادي بمخيم الزعتري في الأردن

Image caption أصبح مخيم الزعتري للاجئين السوريين رابع مدينة من حيث كثافة السكان في الأردن

يفتح باب معدني لحاوية ليكشف عن مجموعة من الفساتين المطرزة ألوانها أحمر ووردي وأبيض.

دخلت إلى متجر فساتين الزفاف يستأجره شاب سوري يُدعى عاطف، فيما ذكرنا بأن الرومانسية قد تزدهر أيضا حتى في أكثر الأماكن تعاسة.

يعمل عاطف في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، وهو يعد موطنا لنحو 120 ألف شخص ممن فروا من القتال في سوريا.

وتقع هذه الحاوية في شارع أطلق عليه عمال الإغاثة اسم الشانزليزيه، نظرا لمئات المحال التجارية والشركات الموجودة فيه.

وقضى عاطف في المخيم أكثر من عام، فارا من القتال الدائر في مدينة درعا التي تبعد عنه نحو 30 كم في سوريا، وهي مدينة مليئة برجال الأعمال نظرا للتاريخ الطويل من التجارة عبر الحدود مع الأردن.

وقال عاطف: "لقد بدأنا ذلك بمتجر لبيع عبايات النساء. وعندما جاءت بعض النساء وقلن إن لديهن حفلات زفاف ولا يجدن فساتين، قمنا بشراء فستانين لتأجيرهما، ثم سارت الأمور بشكل جيد."

ويضيف: "لدينا حفلتان زفاف كل يوم، وهناك أشخاص يأتون من خارج المخيم لاستئجار الفساتين لأنها أرخص هنا. نقدم الفستان للإيجار مقابل 10 دينار (نحو 14 دولار) سواء كان الأشخاص من داخل المخيم أو من خارجه."

ويقول: "في بعض الأحيان نأخذ فقط خمسة دنانير ممن لا يستطيعون دفع أكثر من ذلك."

ويقدم متجر عاطف مثالا لطريقة تحاول من خلالها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن تجعل الحياة طبيعية في المخيم من خلال تشجيع التجارة والخدمات.

فإذا كان البعض إدارة متجر والحصول على أرباح، سيتحسن الاستقرار في المخيم.

ومنذ افتتاح المخيم العام الماضي، انتشر نشاط السوق السوداء مع ظهور عصابات متنافسه تحاول السيطرة على مبيعات غير شرعية للسلع الإغاثية وسحب إمدادات الكهرباء الخاصة بالمخيم.

وينتظر المهربون في الليل على مشارف المخيم ويستعدون للاستيلاء على الخيام الخاصة بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين وإمدادات الغذاء.

والرجل المكلف بالتعامل مع هذا النوع من التجارة السوداء هو كيليان كلاينشميت، الذي عينته الأمم المتحدة كـ "عمدة" للمخيم.

منع المهربين

Image caption نزح مئات الآلاف من السوريين جراء أعمال العنف.

ويعد كلاينشميت مخضرما في مجال العمل الإغاثي، حيث أدار مخيمات للاجئين في جنوب السودان والصومال وكوسوفو.

ولكي يقدم لي فكرة حول حجم المخيم، أراني كلاينشميت الطريق الذي يحيط بالمخيم والبالغ 8 كم. ويعتبر هذا الطريق خط الدفاع الأول في المعركة ضد التجارة غير المشروعة.

وبينما كان يشير كلاينشميت من النافذة، تتصاعدت أعمدة الدخان الأسود من جرافات تسوي تلالا من التربة. وأوضح قائلا: "نغلق طرق الإمدادات على المهربين."

ويلفت كلاينشميت انتباهي إلى علامات مستطيلة فوق الأرض، وهي مساحات من الأراضي رسمت حدودها عصابات متنافسة بزعم امتلاكها لها، وهذا سوق غير رسمي يزدهر أيضا في المخيم.

وفي منتصف الطريق، كان هناك ما يشبه العربة تقوم مجموعة من الرجال بدفعها. وعندما اقتربنا، اتضح أنها حاوية معدة للسكن ويتم سحبها على عجلات.

جاءت هذه الحاويات في الأغلب كتبرعات من دول خليجية. ويبيعها أو يمتلكها عصابات تقوم إما بالتجارة فيها بالمخيم، أو تقطيعها وبيعها خارج المخيم.

يشرح كلاينشميت كيف أنه مع استمرار المعارك في سوريا، يتنامى شعور بأن المخيم سيستمر لفترة طويلة.

ويقول: "يتم الآن بناء منازل ذات أرضيات إسمنتية، مع إدخال المياه وإقامة مراحيض ومطابخ."

ويتابع: "حتى أن بعضهم لديه نافورة ليظهر أن الأمر يشبه الوطن تماما."

ولكن كيف ينوي كلاينشميت التعامل مع السوق السوداء المزدهرة في المخيم؟

ويجيب: "نحن الآن نقول، يا إخوة، أنه قد حان الوقت لدفع ثمن الكهرباء، لأنني راجعت الأمر مع عدد قليل من أصدقائي من الذين يقومون بشوي الدجاج، وقال لي أحدهم إنه يبيع مائة دجاجة في اليوم."

ويتابع: "وبالتالي فهو يربح ما يعادل دولارين في الدجاجة الواحدة، ويربح بذلك 200 دولارا يوميا."

ويضيف: "هل سأقطع عنه الكهرباء؟ بالطبع لا، لكنني سأخبره أنني سأمده بالكهرباء لكن عليه أن يدفع. وهم مع ذلك يبتسمون ويقولون نعم."

وقبل انتهاء يوم زيارتي لمخيم الزعتري، قمت بجولة أخرى سريعة في شارع الشانزليزيه، ووجدت أبا وطفله يبيعان الحلوى المغزولة ويستعدون لأمسية تجارية نشطة.

وفجأة بدأ مجموعة من الشباب في الركض، فبعد يوم طويل وحار، اندلع شجار بينهم وبين قوات الأمن الأردنية التي تؤمن المخيم.

وسمع صوت قنابل الغاز المسيل للدموع وهي تصطدم بالأسطح المعدنية للمخيمات، ولم يصب أحد بجروح خطيرة، لكن الحادث بقي في الذاكرة.

وبالرغم من بذل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين جهودا كبيرة لجعل الحياة طبيعية في مخيم الزعتري، إلا أن شارع الشانزليزيه بالمخيم لا يزال بعيدا عن قرينه في الاسم بفرنسا كمكان لممارسة الأنشطة التجارية.