ثلاثة أخطاء جسيمة قد يقع فيها المتحدثون أمام الجمهور

مصدر الصورة Thinkstock

أخطاء متنوعة قد يقع فيها من يقف للحديث أمام جمهور من الحضور، لكن في الوقت نفسه، يمكن للمتحدثين أن يظهروا قدرا أكبر من الثقة بأنفسهم، وأن يتحلوا بالصدق والتواضع، لكي يتغاضى الجمهور عن مثل تلك الأخطاء.

ربما سيكون من العسير على ماك ماكدونالد، الذي يعمل في مجال تقديم الاستشارات وخدمات التدريب، أن ينسى زلة لسان وقع فيها يوما وهو يُلقي كلمة، ولن ينساها جمهوره الذي استمع إليها في ذلك اليوم.

كان ذلك في مستهل حياته العملية في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية، حيث كان ماكدونالد يتحدث في منتدى تدريبي لبعض الموظفين بمدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا.

يروى ماكدونالد ما حدث قائلا "كنت أتحدث عن الأهداف التي يسعى المرء إلى تحقيقها، وفجأة وجدت نفسي غير قادر على تحديد ما إذا كنت أريد قول: أريد منكم أولا التركيز على أهدافكم. وفي النهاية، خرجت عبارة أخرى من فمي تقول: أريد منكم أن تخرجوا ريحا."

حاول مكدونالد جاهدا تجاهل ذلك الخطأ الناجم عن تقارب لفظتين في اللغة الإنجليزية، لكن الموقف ازداد سوءا عندما شرعت امرأة، كانت تجلس في الصفوف الأولى، في الحديث إلى جارة لها كانت تستعين بجهاز لتقوية السمع عما حدث.

ليس ذلك فحسب، بل إن مكبر الصوت المثبت في رابطة عنق ماكدونالد التقط قول السيدة لجارتها "هل استمعتِ إلى ذلك أيتها الأخت تريزا؟ إنه يريدنا أن نخرج ريحاً. كيف سيساعدنا ذلك على التركيز في الأهداف التي نسعى لتحقيقها؟".

وعلى الرغم من أن زلات لسان مثل هذه، ربما تكون نادرة الحدوث، فإن الأخطاء التي قد يقع فيها من يقف على منصة الخطابة عديدة ومتنوعة.

لكن في الوقت نفسه، بوسع كل من يتصدى لهذه المهمة أن يتحدث أمام الجمهور بقدر أكبر من الثقة والإقناع إذا ما اتخذ خطوات من شأنها مساعدته على أن يُظهر للحاضرين أنه يتحلى بالصدق والأمانة والتواضع، وأنه موثوق به كذلك.

وبحسب الخبراء في مجال الخطابة، فإن استخدام تشبيهات ملائمة، وليست مبتذلة أو مستهلكة، يشكل عاملا إضافيا يساعد المرء على كسب ثقة جمهوره.

كما أن على من يتصدى لمهمة الحديث في محافل عامة ألا ينسى قط أن الهواتف الذكية منتشرة الآن في كل مكان، مما يُمكنّها من التقاط وتصوير كل شيء مما يجري حولها، وهو ما يعني إمكانية تخليد أي هفوة أو زلة عبر وضعها على شبكة الإنترنت.

هذا كله يجعل من إعداد المتحدثين لكلماتهم على نحو متماسك أمرا ضروريا إلى أبعد حد.

وفيما يلي استعراض لبعض الأخطاء الجسيمة، التي يمكن أن يقع فيها من يتحدثون أمام الجمهور، ومعها عدد من النصائح التي تساعدهم على تجنبها.

التزييف

في تسجيل مصور معروض على قناة مجموعة TED على شبكة الإنترنت، والذي حظي بنحو 1.2 مليون مشاهدة، تتحدث امرأة عن كيف أن المعاقين ينظر لهم على أنهم مجرد أشياء، وتقول إنها لا ترغب في أن تصبح مصدر إلهام للآخرين لأنها فقط تعاني من إعاقة ما.

مصدر الصورة Thinkstock

بطبيعة الحال، فإن مشهد جلوس هذه السيدة بمقعدها المتحرك على المنصة، لا يجعل بوسع أي من الحاضرين أمامها التساؤل أو التشكك في الأسباب التي تجعل من الموضوع الذي تتحدث فيها أمرا مهما بالنسبة لها هي بالتحديد.

هنا يمكن القول إن الجمهور، إذا ما كان يتمتع باليقظة والانتباه، يكون دوما في أقصى حالات التأهب لاكتشاف الدجالين ممن يحاولون التلاعب به أو خداعه.

ولذا، كما يقول أندرياس فرانكين- وهو خبير يعمل بمدينة بون الألمانية في مجال تقديم التدريب والمشورة للخطباء ومُعدي الخطب والكلمات – يتعين على من يلقي كلمة أمام الجمهور أن يكون مهتما ومعنيا حقا بما يتحدث عنه.

ويشير فرانكين إلى إنه ينبغي كذلك على المتحدث أن يجعل جمهوره يدرك أهمية هذا الموضوع بالنسبة له هو شخصيا؛ وذلك إذا كان معنيا بالتأثير في ذلك الجمهور.

فالحاضرون في محفل ما، لا يهتمون بالاستماع إلى ما يتفوه به المتحدث أمامهم من كلمات فحسب، ولكنهم ينغمسون كذلك في متابعة كل ما يجري على المنصة، وهو ما يؤثر على تحديدهم لتوجهاتهم - سلبا أو إيجابا - حيال ما يُطرح عليهم من أفكار أو رؤى.

فإذا أُفسح المجال للجمهور المتلقي لكي يتساءل عن الصلة بينك كمتحدث، وبين الموضوع الذي تتناوله، أو أحس هذا الجمهور بأنك تتحدث بلسانٍ ملؤه الغرور، فإنه سيشرع في التساؤل حول الدافع الحقيقي الذي يكمن وراء كلماتك.

وربما سيكون سؤال المتلقين في هذه الحالة: "لماذا يتعين عليّ تصديق ما يقوله ذاك المتحدث؟".

وفي بعض الأحيان، يكفي المتحدث أمام الجمهور في مناسبة ما القول: "بصفتي أحد المشاركين في المشروع، فإنني... إلخ."

لكن إذا ما كانت الكلمة تهدف إلى تحفيز الحاضرين على انتهاج سلوك معين، فعلى المتحدث خلق صلة بينه وبين السبب الأصلي أو القصة الأصلية التي حدت به إلى تبني نمط بعينه من التفكير، كما فعلت السيدة الجالسة على المقعد المتحرك.

لكن ليس بالضرورة أن يكون الأمر على هذا القدر من الوضوح، إذ أن صدق من يلقى الكلمة أو زيفه، يمكن أن يتبدى عبر الإيماءات واللفتات التي تبدر منه.

فحركة ما بلغة الجسد قد تكون كاشفة عن العديد من الأشياء، وعادة ما تشي مثل هذه الإيماءات بشعور المتحدث بالانزعاج أو القلق. ومن هذا المنظور، فإن لغة الجسد تشكل ما يبدو أنه نص فرعي يقرؤه الجمهور، في غمار تفكيره فيما يقوله المتحدث أمامه.

ويقول فرانكين إن "المتحدث (أو الخطيب) الذي يحاول (أن يكون مقنعا) بشكل مفرط. أو أن يبدو على نحو لامع وبراق ومصقول.. إلى حد يفوق المألوف، سيجد نفسه إزاء استقبال غير مواتٍ له."

ومن بين الأمثلة على ذلك، ما فعله وزير الخارجية الأمريكي الحالي جون كيري عندما صعد على خشبة المسرح لإعلان قبوله ترشيح الحزب الديمقراطي له لخوض السباق الرئاسي في عام 2004.

حينذاك، رفع كيري ذراعه إلى أعلى مؤديا تحية عسكرية وهو يقول "أنا جون كيري.. وأنا جاهز لأداء المهمة"، إذ لجأ في هذا الإطار إلى مفردات يستخدمها العسكريون عادة لتأكيد جاهزيتهم للقيام بالمهام التي تُناط بهم.

وهنا يقول فرانكين إن "كيري بدا متصلبا وجامدا ومتكبرا"، وهو ما حدا بجمهوره إلى التساؤل "عما إذا كان (كيري) يعني حقا ما قاله وبكل هذه الجدية" أم لا.

ويرى فرانكين أنه عندما يجمع المرء تركيزه بالكامل في الكلمة التي يلقيها، فإنه يكون أكثر فاعلية ونشاطا وصدقا.

الغرور

ليس هناك ما يدعو من يتحدث أمام الجمهور إلى الشعور بالزهو والغرور والميل للتركيز على الذات؛ أكثر من جهله بطبيعة جمهوره، أو مخاطبته لهم على نحو غير ملائم.

مصدر الصورة Thinkstock

وفي هذا الشأن يمكن استعراض مثال تضربه جوان ديتز، وهي خبيرة دولية في إعداد وكتابة الخطب تتخذ من بنسلفانيا مقرا لها، وألفت من قبل كتابا يحمل اسم (كيف تعد خطابا وتلقيه).

وتقول ديتز في هذا السياق إنه يجدر بنا التفكير في ما يمكن أن يحدث عندما يبادر مسئول تنفيذي في شركة ما المشاركين في اجتماع - يجري عبر دائرة تليفزيونية ويضم أشخاصا من مختلف أنحاء العالم - بالقول (صباح الخير)، على الرغم من أن التوقيت لدى بعض المشاركين في اللقاء ليس صباحا على الإطلاق.

ولا يسعنا هنا أن نغفل حقيقة أن المرء عندما يلقي كلمة ما أمام الجمهور، فإنه يسعى من وراء ذلك إلى التأثير فيهم، ومؤازرة أسلوب جديد من التفكير أو تعزيز نهج بعينه. ولذا، فإن مهمة إقناع الجمهور تصبح أصعب بكثير، إذا ما شعر بالإهمال جراء إحساس من يخاطبه بأهميته هو شخصيا.

مثال آخر يرد على لسان جودي غولد، وهي استشارية تعمل لحساب إحدى المنظمات الطبية غير الهادفة للربح في منطقة آلبي القريبة من مدينة تولوز الفرنسية.

يتناول المثال ما حدث لمُحاضرةٍ أمريكية قادمة من جامعة مرموقة في الولايات المتحدة، اختيرت لتكون أحد المتحدثين الرئيسيين في ندوة كان الحاضرون فيها من أوروبا.

وتروي غولد إن هذه السيدة جوبهت برفض شديد لأفكارها من قبل الحاضرين في الندوة، وذلك لعدم إدراكها لطبيعة العقلية الأوروبية للجمهور المصطف أمامها.

وتوضح جودي غولد أن الأستاذة الجامعية الأمريكية، التي كانت تحظى بالإشادة بفضل أفكارها النشطة والحيوية في مجال القيادة، اساءت فهم السياق الذي تتحدث فيه مرة تلو أخرى.

وتشير في هذا الشأن إلى أن "كل الأمثلة التي ضربتها المحاضرة الأمريكية كانت تتناول ساسة أمريكيين تورطوا في فضائح جنسية. غالبيتنا كجمهور لم نكن نعرف الساسة الذين تتحدث عنهم، كما تعجبنا من كونها (تستخدم) فضائح جنسية كأمثلة لجمهور أوروبي؟".

فبحسب غولد، لا يعبأ الأوروبيون "بمثل هذه الفضائح".

ومن ثم فإن تفهم الخطيب أو المحاضر لطبيعة جمهوره يؤهله للقيام بخطوة أخرى حيوية ألا وهي التواصل مع هذا الجمهور.

هنا يكون من المجدي استخدام المحاضر أو المتحدث لصيغة المخاطَب "أنتَ"، كما يفيده أن يغتنم قدرته على ملاحظة بعض الأمور التي لا تتطلب منه كثير تركيز، كأن يقول مخاطبا الحضور: "العديدون منكم قطعوا مسافات طويلة ليحضروا مؤتمرنا هذا اليوم. أو "ربما تكونون حديثي عهد بهذا المجال".

وفي هذا السياق، ترى جوان ديتز أن المحاضر الذي يحجم عن استخدام صيغة المخاطَب في حديثه إلى جمهوره لا يحرز نجاحا كبيرا في التأثير عليه أو التواصل معه.

التشبيهات غير الملائمة

لم يكن وقت طويل قد مضى على قبول كريس باري، الضابط السابق في البحرية الملكية البريطانية، العمل مديرا تنفيذيا لمجلس المدارس الخاصة في المملكة المتحدة، حتى اكتشف أن خلفيته العسكرية السابقة تطغى على المفردات التي يستخدمها حينما يتحدث في بعض القضايا المتعلقة بالتعليم مثل الدفاع عن إجراء إصلاحات في أنظمة المدارس، على سبيل المثال.

كما أدرك الرجل أن التشبيهات المتصلة بالحياة العسكرية لا تفيد كثيرا مع المعلمين. وهكذا، فبعد وقت قصير من إلقائه كلمة عام 2008، أقدم باري على ترك هذه الوظيفة والعمل في مجال آخر.

وتمثل الخطأ الجسيم الذي وقع فيه كريس باري في استحضاره تشبيهات واستعارات غير ملائمة.

ويقول جوناثان كارتيرس- بلاك، وهو خبير لغوي يعمل في المملكة المتحدة، إن هذه الاستعارات تخاطب الجزء اللاشعوري في المرء وتساعده على السيطرة على الشكوك، ومشاعر عدم اليقين التي تساوره بفعل حدوث أي تغيير أو الدعوة إلى إحداث تغيير ما.

لكن المشكلة هنا تكمن في استخدام المتحدث تشبيها خاطئا، أو على الأقل غير ملائمة لمخاطبة جمهور بعينه، إذ أن ذلك كفيل بإلحاق ضرر كبير بالرسالة التي يريد المتحدث إيصالها.

فبحسب سيمون لانكاستر، وهو كاتب خطب يعمل في لندن، يستخدم الناس في كل دقيقة ما يصل إلى ست استعارات أو ستة تشبيهات.

ويقول لانكاستر، وهو مؤلف كتاب "دليل الخبير لإعداد الكلمات وكتابتها" إن كريس باري ربما كان سيحقق نجاحا أكبر مع جمهوره إذا ما لجأ في حديثه إلى استعارات مستقاة من الطبيعة.

وفي عالم المال والأعمال، عادة ما ترتبط الاستعارات والتشبيهات بالمفردات الخاصة بالأسفار؛ مثل تلك التي تُشّبه الأوقات العصيبة بالإبحار وسط "أمواج عاتية متلاطمة".

أما في عالم السياسة، فتُستمد الاستعارات من المفردات المرتبطة بالدين أو القيم والأخلاق؛ مثل ما فعل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن عندما تحدث عن "محور الشر"، الذي قال إنه يضم إيران وكوريا الشمالية، إلى جانب العراق في عهد صدام حسين.

ولكن استخدام مثل هذه الاستعارات على نحو مفرط يجعلها مبتذلة، وهو ما يفقدها قوتها بسرعة، لتتحول إلى مفردات مملة، مما يقود في نهاية المطاف إلى عدم اكتراث الجمهور بما يقال.

غير أن ذلك لا يعني أن على المرء تجنب استخدام الاستعارات والتشبيهات التي ثبتت بالتجربة فعاليتها. وفي هذا الصدد، يقول كارتيرس- بلاك إن أبرع الاستعارات هي تلك التي تُنحت عبر تعديل وتحوير استعارة أو تشبيه معروف جيدا للمتلقين بالفعل.

وفقا للانكاستر يتمثل العنصر المهم هنا في استخدام استعارات أو تشبيهات يمكن فهمها بسهولة من قبل الجمهور المتلقي.

ويضيف: "إذا لم يفعل المتحدث ذلك، فإن العواقب قد تكون كارثية"، إذ ربما ينشأ ما يُعرف بـ"تناقض أو تعارض الاستعارات أو التشبيهات".

ويضرب لانكاستر مثالا في هذا الصدد يتعلق بلغة الخطاب المستخدم من جانب المتحدثين في أروقة الهيئة المسؤولة عن تقديم الخدمات الصحية على المستوى الوطني في بريطانيا والمعروفة اختصارا بـ "إن إتش إس".

فالمديرون في هذه الهيئة، بحسب لانكاستر، عادة "ما يستخدمون استعارات مستقاة من المفردات المتعلقة بعالم السيارات من قبيل /قيادة/ التغيير و/الإسراع/ بوتيرة الإصلاحات.

ويقول لانكاستر إن "المتحدث الجيد لا يفرض رؤاه على نحو واضح وعلني... لكنه يبلور وينسج خيوط مقترحاته حول الأفكار القائمة بالفعل في أذهان جمهوره، حتى يعتقد هؤلاء أنهم استنبطوا هذه الأفكار والمقترحات بأنفسهم،" ولم تفرض عليهم من الخارج.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي باللغة الإنجليزية على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة