هل التأمل علاج للضغوط في بيئة العمل؟

مصدر الصورة Thinkstock

هل قرأت آخر دراسة حول أهمية التأمل؟ من المحتمل أنك لم تقرأها، فبينما تقرأ أنت هذه السطور، تكون دراسة أخرى قد نُشرت.

هناك تدفق مستمر في الأبحاث والأخبارٍ الجديدة حول منافع التفكُّر والتأمل، وغيرها من تمارين التنفس والتمارين الذهنية. وكما تفيد التقارير، فإن التأمل يعزز طاقة الجسم، ويساعد على التركيز، ويقلل من التوتر والقلق، ويزيد من المرونة، ويحتمل أيضا أن يغيّر حياتك وعقلك نحو الأفضل.

لا يؤمن الجميع، بالطبع، بالطاقة الموجودة في التأمل، لكن وقتما تغير اعتقادك، فإن العقبة الكبيرة ستصبح هي كيفية جعل أوقات تأملك متوافقة مع نظامك اليومي والجدول الزمني الخاص بك. إن مسألة حشر أمر آخر في جدولك اليومي بحد ذاته هو مدعاة للتوتر.

إليك مقترح قد يكون شديد الصرامة: ابدأ عادة التأمل خلال وقت العمل. نعم، أثناء ساعات العمل، في المكتب. إذ أن زخم العمل كثير، ومُجهِد، ولا يناسب ممارسة التأمل.

لكن تبيّن أن المكتب هو مكان مثالي للتأمل، وخاصة للأسباب المذكورة أعلاه. وأقتبس هنا كلاماً من أحد أفلامي المفضلة، وهو فيلم "The Razor’s Edge" (حدّ الشفرة)، حيث يمثل بيل مورّي شخصية رجل يبحث عن معنى الحياة، ويقول: "يسهل أن تكون رجلا تقياً على قمة جبل." لكن الأصعب، والأكثر مكافأة، هو أن تكون كذلك في مكان العمل، في المكتب.

قد يكون جو العمل أحد الأسباب القوية لتوترك، ولكنه أيضاً ضحية لذلك. الموظف المرهق البائس ليس شخصاً منتِجاً. بمقدورك أن توازن جو العمل السلبي، وحتى أن تجعله مكاناً أكثر سلمية وإبداعاً واجتهاداً، فقط بتأثير ونفوذ ممارستك للتأمل.

علاوة على ذلك، وإن كنت تشبهني، فأنا لا أستطيع بسهولة أن أضع فترة التأمل والتفكّر أو أي أمر آخر ضمن أوقاتي انشغالي الشديد في البيت، وخصوصاً بوجود زوجتي وأطفالي، وساعات يقظة ونشاط أقل لقضائها معهم أو لإنجاز مهام وهوايات أخرى.

كان الحل بالنسبة لي هو ممارسة التأمل أثناء ساعات العمل: حيث أذهب للعمل خمسة أيام في الأسبوع، وأكون أحوج ما فيه للتأمل.

لستَ بحاجة لأن تجعل من التأمل التزاماً يأخذ وقتاً كثيراً – خذ مثلا 10 إلى 15 دقيقة يومياً، فهي تكفي وتزيد- حتى دقيقتان قد تكفيان.

المهم في الأمر أن تلتزم بالقيام بشيء ما، وإلا فلن تكون هناك فائدة. عندما كنت أعيش في سان فرانسيسكو كان سكني يبعد بضع عمارات عن مركز "زين" الشهير في المدينة. كنت استيقظ غالبا في ساعة مبكرة كل يوم لأمارس جلسات ما قبل الفجر.

مصدر الصورة Thinkstock

كان الأمر منهجياً ويتبع بصرامة التقاليد البوذية، بما في ذلك تحديد أي قدمٍ تحركها لتخطو خطوتك إلى داخل الغرفة. أحببت ذلك كثيرا، وأتوق إليه، لكني لم أواصل مزاولة تلك العادة قطُّ لأن تكرارها بمفردي كان صعباً جداً. كان هذا تحدياً أواجهه – وهو أن أعود الى مزاولتها دون أن تكون عبئاً عليّ، أو أن تنافس غيرها من أولوياتي.

عليك أن تجد مكاناً

كان أول شخص أبلغته بنيّتي للبدء في قضاء فترات التأمل أثناء العمل هو مدير المكتب.

كتبت له رسالة إلكترونية قلت فيها: "قد يكون طلبي هذا غير معتاد، لكن بإمكاني الاستفادة من مساعدتك. فأنا أبحث عن غرفة بدون زجاج في مكاتبنا، لأحجزها لمدة 15 دقيقة في اليوم، كل يوم. الهدف منها هو التأمل والتفكّر."

وبطريقة المحترفين، وبشيء من الحيرة، سار المدير معي لتدارس بعض الخيارات في مكاتبنا ذات الطابع المفتوح - بما في ذلك غرف الاجتماعات ذات الجدران الزجاجية الشفافة. استقر بنا الرأي على غرفة قلّما تستعمل، وهي الغرفة التي تستعمل كاستوديو لإنتاج البرامج.

كانت الغرفة مثالية: فهي صغيرة، هادئة، وبها كرسيان، وبدون هواتف. إذا ما كانت الغرفة محجوزة، فالبدائل هي غرفة اجتماعات بها زجاج من جهة واحدة فقط (يرى المارة بجوارها ظهري فقط)، أو حديقة قريبة متروكة في المدينة. وفي حال إصراري حقاً على الحصول على مكان ما، فكان لي دوماً ذلك الملاذ الأخير: مخزن الخزفيات.

رتّب وقتاً في جدولك

أحجز 30 دقيقة كل يوم مع أني لا استعمل أبداً كل الوقت. أحياناً أتأخر قليلاً؛ ولكني أنتهي مبكراً على الدوام.

وفي أحيان أخرى اضطر إلى إعادة الحجز لوقت متأخر في اليوم، ولكن إذا ما استطعت إنجاز مهامي فإني أتمم ما أريده. مهما كان الأمر الذي أقوم به، فإنه يحتمل الانتظار لمدة 10 إلى 15 دقيقة بدون عواقب وخيمة.

ينطبق نفس القول على ما تقوم به مهما كانت وظيفتك، إلا اذا كنت طبيباً في صالة الطواريء، أو ممن يعتنون بأطفال صغار. حتى إذا ما كنتُ متوتراً لانجاز أمر عليّ القيام به فوراً، فإني أشعر بأنني بحال أفضل (أي أقل توتراً) بعد فترة تنفس عميق.

والآن تأمّل!

اجعل الأمر بسيطاً وسهلاً. في مستهل هذا العام، حضرت حديثاً عن مشروع (إس إكس إس دبليو - SXSW) في شركة غوغل لتشاد-مينغ تان، الذي ينشر تعاليم وتقنيات ما يطلق عليه "الوعي التام"، والذي يهدف إلى تعليم السعادة للموظفين.

مصدر الصورة Thinkstock

ويوصي تان بأن تضع لنفسك هدفاً مثل "نفَسٌ واحد جيد فقط" في اليوم. الفكرة هي أنه حتى إنجاز أمر بسيط يمكنه أن يكون فعّالاً. إذا ما أحببت التأمل، فإنك ستُزيد من وقت ممارستك له، وبشكل طبيعي وبسعادة، وستزداد الدقائق حتى تصبح أكثر، بشرط مواصلتها بشكل مريح.

سواء كنت من الذين لم يمارسوا التأمل مطلقاً، أو كنت تحتاج إلى إعادة تنشيط، أو لا زلت في بدايتك، فهناك الكثير من الكتب والمقالات وأفلام الفيديو والتسجيلات الصوتية المجانية المتوفرة.

لذا، عليك أن تبدأ بها. فأولئك المتفكّرون يهبونها لك بشكل عمليً! أما بالنسبة لي، فقد أعدت ممارسة التأمل من البداية، وذلك من خلال محاولة الطلاع على المؤلفات التالية التي أحتفظ بها في غرفة المكتب المخصصة للتأمل:

"ابحث عما بداخلك"، للكاتب تشاد-مينغ تان من شركة غوغل. في كتابه حول "الوعي التام" والسعادة، يقدم لنا مينغ فنوناً وطرقاً للتأمل عرضها لموظفي شركة غوغل. تمتد هذه الطرق من البسيطة والأساسية إلى تلك (المفضلة لديّ) التي تطلب منك أن تتصور نفسك وكأنك قوة وسلطة تعمل على مضاعفة الصلاح وطيبة القلب، وكأنك نوع من الأبطال البوذيين الخارقين.

توقف، تنفس وفكّر، وهو تطبيق إلكتروني يضم سلسلة كتب في التأمُّل تنمو باضطراد. جميعها تبدأ بنفس الأسلوب، وهو التكرار. أما صوت الراوي فهو هاديء بشكل تخوّفت فيه من أن أنام. أما التأملات الموجّهة بمساعدة مرشد فيمكنها أن تفيد المبتدئين في وقت يقوم فيه التطبيق بتتبع مسار تقدمك، وكأنك تذهب إلى صالة رياضية متطورة.

"أعجوبة الوعي التام" للراهب البوذي "ثيت نات هانه"، وهو كتاب صغير لذلك الراهب المسالم صاحب العديد من المؤلفات. وفي هذا الكتاب بالتحديد فصل كامل عن التأمل والتفكّر. ويحتوي ذلك الكتاب أيضا على العديد من الموضوعات الأخرى المفيدة، لذا فإنه يستحق القراءة بالكامل.

"التأمل لدقيقة واحدة" للكاتب مارتن بوروسن. يبدأ هذا الدليل بمقدمة مفادها أن كل ما تحتاجه هو دقيقة واحدة. الفصول القصيرة من الكتاب تساعدك لتجعل تلك الدقيقة أقرب إلى الكمال، وتعلّمك بأن تأخذها معك أينما حللت. وعندما تبدأ باتقانها، فإنها تقلل من دقيقة الطاقة تلك لتصبح لحظة طاقة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة