مشكلة الاعتماد على آراء الخبراء

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption وصفت منظمة الصحة العالمية تفشي ايبولا بأنه "أشد حالة طوارئ صحية يشهدها العصر الحديث".

أصبح مرض الإيبولا يمثل قلقا للجميع، بمن فيهم الخبراء. إنهم نفس الخبراء الذين كانوا يخبروننا، حتى وقت قريب، أنه لا يجب أن نتخوف من تفشي المرض في غرب أفريقيا، وانتشاره في العالم الغربي.

وقد طمأن مركز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة الأمريكية مراراً وتكراراً الناس بأن الرعاية الصحية المتطورة في البلدان المتقدمة قادرة على التعامل مع انتشار ذلك المرض.

لكن هل كان هؤلاء الخبراء على صواب؟

توفي مؤخرا أحد العاملين في منظمة الأمم المتحدة بألمانيا، وسُجّلت حالة وفاة أخرى في الولايات المتحدة، و بدأت خمسة مطارات دولية، بالإضافة إلى مطار هيثرو بلندن، في فحص المسافرين على رحلات جوية معينة بحثاً عن مصابين بمرض الإيبولا.

أي أن الخبراء قد بدأوا تغيير مواقفهم تجاه المشكلة. أما منظمة الصحة العالمية فقد وصفت تفشي المرض بأنه "أشد حالة طوارئ صحية يشهدها العصر الحديث".

نعتمد على الخبراء في أمور حياتية كثيرة، من الأطباء القادرين على تشخيص وعلاج الأمراض، مروراً بمحللي الشؤون العسكرية لتقدير مخاطر الإرهابيين، إلى المحاسبين الذين يراجعون الأمور المالية للشركات ليطمئنوا المستثمرين بأن كل شيء على ما يرام.

لكن من المؤسف أن الخبراء كثيرا ما يخطئون.

أخطاء مالية

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption إن المشكلة لها علاقة بثقافة الناس، وليس بكفاءتهم.

خذ على سبيل المثال المراجعين الماليين، فهدفهم الوحيد – حسبما يجيزه القانون- هو أن يقيموا بدقة وعناية طريقة حساب الشركة لأنشطتها. كيف يمكن للمستثمرين، بدون عملية التدقيق والمراجعة تلك، أن يشعروا بالأمان، والثقة، كون المشروع الذي وضعوا ثقتهم – وأموالهم أيضا- فيه هو قانوني وشرعي؟

مما يؤسف له أن المراجعين أيضا، وبشكل لافت للنظر، غير معصومين من الخطأ. وتكمن أسباب ذلك في الطبيعة البشرية نفسها.

هل هي مصادفة مثلا أن العديد من أعضاء فريق المراجعة من شركة آرثر أندرسون، والتي راجعت حسابات شركة إنرون، كانوا موظفين سابقين في شركة إنرون ذاتها؟ وأن نفس هؤلاء المحاسبين استمروا في أعمال التدقيق والمراجعة وفي موافقتهم على ممارسات حسابية مشكوك فيها، فترة بعد آخرى؟

لا أقصد هنا التشهير، سواء كان المحاسبون قد تصرفوا بشكل غير قانوني، أو حتى بشكل منافٍ للأخلاق. ما أود إثارته هنا هو أن الألفة بين المشرفين والعملاء قد تكون صبغت طريقة تفكيرهم بشكل ساهم في تشويه اجتهاداتهم وكفاءاتهم العادية.

من المؤكد أن أمراً مماثلاً قد حدث لوكالات التصنيف المالي في الفترة التي سبقت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. وكانت هذه الوكالات – مثل ستاندرد آند بوورز، ومووديز، وفيتش- وباستمرار تصنف الرهون العقارية عالية المخاطر التي باعتها المؤسسات المالية على أنها ذات مواصفات أمان وسلامة عالية. هذا التأكيد هو بالضبط ما مكّن من تشكيل سوق تتداول تلك الرهون العقارية عالية المخاطر.

لهاتين القصتين عامل مشترك آخر – فالذين كانت وظيفتهم هي توفير الرقابة كانوا يتقاضون رواتبهم من قبل نفس الشركات التي لهم عليها سلطان قضائي. هنا، مرة أخرى، لم يكن خبراء إنرون وستاندرد آند بوورز إلا مقصرين في أعمالهم.

وفي أغلب الأحيان، تعمل المصلحة الشخصية، وهي جزء في صميم المسألة، بدون وعي منّا. قد يغضب أولئك الذين أكتب عنهم عندما يقرأون ذلك المقال، لأنهم يعتقدون حقاً أنهم لم يتصرفوا بأسلوب منافٍ للأخلاق. وقد يكون الأمر كذلك.

لكن ما لا يقدّره الخبراء – وفي الحقيقة جميعنا منهم – في الغالب هو سهولة الاعتقاد بأننا ننجز الأمر على أتم وجه، بينما يكون العكس هو الواقع.

عندما يخطئون

نعم، يمكن للخبراء أن يخطئوا لعدة أسباب أخرى.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption الخبرة تتراكم نتيجة الاستقصاء الدقيق، وأحياناً من التجربة التي تصمم لتحقيق رؤى ذات قيمة لجزء من المجتمع.

ماذا عن ادعاءات الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة الأمريكية، والوكالة الحكومية "الأسطورية" المسؤولة عن حماية السياسيين؟ كيف يمكن لشخص، يُحتمل أن يكون ذو نوايا عدوانية، أن يدخل البيت الأبيض ويركض من غرفة لأخرى قبل أن يلقى القبض عليه؟

طبعاً ستُجرى تحقيقات، وسأكون مستعداً للمراهنة على أن المشكلة لها علاقة بثقافة الناس، وليس بكفاءتهم.

أكثر الخبراء يتدثّرون بغطاء منظمة أو مؤسسة ما، بكل ما فيها من صراعات داخلية بيروقراطية وحوافز منحازة لطرف دون آخر، وقيادة ضعيفة. يصعب أن تكون خبيراً فعالاً وأنت محاط بمخلفات ظروف العمل.

فالخبراء أيضاً لهم عيوبهم، سبب بعضها ذاتي والآخر يأتي ضمن سياق العمل. لكن دعونا نكون على حذر لكي لا نبالغ في الرد. كيف ستكون حياتنا بدون الخبراء؟

لسبب واحد، سيكون الحال أسوأ مما عليه الآن، فالخبرة تتراكم نتيجة الاستقصاء الدقيق، وأحياناً من التجربة التي تصمم لتحقيق رؤى ذات قيمة لجزء من المجتمع.

إن لم يكن هناك خبراء، على سبيل المثال، فإن العديد من الناس لم يكونوا ليهتموا بالتغيرات المناخية. فحقيقة أن البعض لا يزال يصرّ، ونحن في عام 2014، على عدم وجود علاقة ما بين زيادة مصادر انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون وزيادة درجات الحرارة على الكرة الأرضية تعد مثالا نموذجيا للتفكير الناتج عن الجهل بمعارف الخبراء.

في عالم بلا خبراء، تستند القرارات على الأفكار والمعتقدات، ويندر لهذه الأمور أن تكون أساساً لتحليل دقيق.

مجمل القول، عندما يخص الأمر التهديد الآتي من مرض مثل الإيبولا، فإني أضع كل ثقتي في مؤسسات العناية الصحية الحديثة، لا أقول ذلك لأني أعتقد أنها على صواب تام، ولكن لأن هذا هو كل ما لدينا.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة