كيف تحولت الميادين العامة من أماكن تجمع إلى ساحات عنف؟

Image caption ميدان تيانانمن الذي شهد احتجاجات مطالبة للديمقراطية عام 1989

يرجع تاريخ الميادين العامة إلى أيام الإغريق. وكانت دائما عبارة عن مراكز للتجمعات السلمية والاحتجاجات العنيفة أيضا، بحسب جوناثان غلانسي.

قد تكون البشرية عرفت الميادين العامة قبل هذه الفترة، لكن الإغريق هم من منحوا هذه الساحات الحضرية شهرة وتأثيراً، بانشاء أماكن الاجتماعات المركزية (أغورا) في قلب مدنهم.

ومنذ ذلك الوقت حملت الميادين العامة حول العالم وليس فقط في العالم الغربي بعض صفات أغورا. هنا اجتمع معا التجار والفلاسفة والشعراء والسياسيون، وهنا أيضاً أعرب الناس عن شكواهم وتظاهروا، وأحياناً تصدت لهم قوات النظم الحاكمة بل حاولت قتلهم، تلك الأنظمة التي كان هؤلاء المحتجون ينتقدون سياساتها بشدة.

ورغم أن أغورا كانت في العادة مكاناً مميزا وممتعا بدرجة كبيرة، فإنه ليس مثيرا للدهشة أن تكون "اغورا" هي مصدر لما بات يعرف "بالأغورافوبيا" أي الخوف من الأماكن العامة. ظلت الميادين العامة لقرون طويلة وحتى هذه الأيام، أماكن لتنظيم الاحتجاجات وأحداث العنف وحتى الثورات.

هناك قائمة طويلة للميادين العامة التي اقترنت بالاضطرابات، ولو أخذنا مثالاً لما يبدأ منها بحرف التاء نستطيع أن نحصي بعضا منها مثل: التحرير، تقسيم، تيانانمن، ترافلغر.

ساحة الكونكورد، بالرغم من اسمها الذي يعني"التوافق"، عمها العنف خلال مظاهرات الطلبة في باريس عام 1968. أما ميدان "بالاس سكوير" في سانت بطرسبرغ في روسيا، سيظل اسمه مرتبطاً الى الأبد بثورة أكتوبر/تشرين الأول التي جاءت بكل من لينين والبلاشفة إلى السلطة عام 1917.

مصدر الصورة Getty
Image caption ميدان "بالاس سكوير" في سانت بطرسبرغ في روسيا سيظل اسمه مرتبطاً بثورة أكتوبر/تشرين الأول التي جاءت بلينين إلى السلطة عام 1917

"الساحة الحمراء" في موسكو هي مكان شاسع اشتهر بأنه يضم قبر لينين واستضافة العرض السنوي الضخم للمعدات للعسكرية السوفيتية في السابق، والروسية في الوقت الحاضر. أما "ساحة الثورة" في هافانا فهي المكان الذي خطب فيه فيديل كاسترو التجمعات المليونية في السنوات التي تلت الثورة التي أطاحت بالديكتاتور المدعوم من الولايات المتحدة " فولغنسيو باتيستا" عام 1959.

في الآونة الأخيرة، شاهدنا على شاشات التلفزيون أحداث العنف التي تركزت في الميادين العامة في كل من طرابلس والقاهرة وكييف واسطنبول، كما شاهدنا صور الاستعراضات الضخمة للقوة العسكرية والسياسية تأتينا من بكين وبيونغيانغ.

وشهد ميدان "ترافلغر سكوير" عام 1990 أعنف الاحتجاجات التي شهدتها بريطانيا في التاريخ المعاصر، للتنديد بقرار حكومة المحافظين بزعامة مارغريت ثاتشر فرض نوع جديد من الضرائب.

تخبرنا تجارب التاريخ أنه بغض النظر عن درجة النضج السياسي أو الرفاهية الاجتماعية التي توجد على ما يبدو في مدينة كبيرة، فإن ميادينها العامة تكون دائما معرضة لخطر اشتعال أعمال العنف، فالميدان العام ليس مجرد مكان للتجمع، لكنه صمام أمان للجماهير. انه المكان الذي يتجمع فيه الناس للاحتفال، والتنفيس عن غضبهم والترويح عن أنفسهم من ضغوط الحياة اليومية.

بؤرة الاهتمام

ونظرا لأن الميادين هي واجهة المدن الرئيسية ومركز استقطاب الاهتمام فيها، فإنها كانت لفترة طويلة مركزاً للفن المعماري والأنشطة الاقتصادية والثقافية. صمم "المنتدى الروماني" في روما القديمة بطريقة أخاذة في عهد الإمبراطور أغسطس، بينما كانت الميادين في روما القديمة جزءاَ أساسياً من حياة الناس في تلك "المدينة الخالدة". أي شخص يشاهد البانتيون (معبد جميع الآلهة في روما القديمة) الذي يملأ جانباً من ساحة "بياتسا ديلا روتوندا" بالتأكيد سيشعر بالانبهار الشديد.

كما لا يمكن للزائر أن يحرم نفسه من قضاء لحظات المساء الأولى في "دولشي فيتا" في ساحة "بياتسا نوفا"، ليشاهد الشباب المليء بالحيوية وهم يقدمون عروضا مذهلة بين النافورات النابضة بالحياة لهذه المنصة الحضرية للعروض الفنية المزينة بأسلوب الباروك.

ومهما كانت ديانتك، أو حتى لو لم تكن تؤمن بأي دين، فإن ساحة القديس بطرس مكان رائع للزيارة حيث يتزاحم الناس وسط شعور بالسعادة الغامرة في أحضان الرواق الأخاذ الذي بناه "جيان لورينزو بيرنيني" في القرن السابع عشر.

وفي حين تشكل هذه الميادين التاريخية مركز جذب واهتمام طبيعي في المدن، فإن العديد من مراكز المدن الممتعة والمثيرة للاعجاب حول العالم تتميز بأنها تضم مجموعات مذهلة من الميادين من بينها لندن بحدائقها التي تبعث على الشعور بالراحة، وتورينو بساحاتها الواسعة، ومدينة البندقية بساحاتها القديمة الممهدة. تشكل هذه الساحات والحدائق متنفساً للمرء وراحة نفسية وجسدية لمن يعانون العيش في الشوارع الضيقة والممرات المزدحمة لهذه المدن.

Image caption ميدان التحرير في مصر كان مركزا لثورة يناير عام 2001 التي أطاحت بحكم الرئيس السابق حسني مبارك

أعظم هذه الساحات هي ساحة القديس ماركو، التي وصفها نابليون بونابرت، بأنها "مرسم أوروبا". ورغم أن شعبيتها وازدحامها يحولان دون شعور المرء بالراحة، فإنها تظل مكاناً ساحراً.

عندما تصبح الميادين كبيرة للغاية، فإنها تفقد ذلك الاحساس بالاحتضان لمن فيها من الجمهور. ميادين مثل "تياننمن" وربما "ميدان الدستور" في مكسيكو سيتي بالمكسيك، الذي كان يمثل مكان التجمع الرائع في مدينة الأزتيك القديمة (سكان المكسيك الأصليين)، يمكن أن تبعث على الأغورافوبيا في نفس أي انسان تقريباً.

جرى توسيع ميدان تيانانمن في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي على يد الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، الذي أراد أن يحوله إلى أكبر ميدان في العالم. هناك ميادين أخرى تتنافس لنيل هذا الشرف "المشكوك فيه" من بينها ميدان "ميرديكا" في جاكرتا، وميدان شينغ هاي في داليان، التي تضم ميناء مقاطعة لياونينغ بالصين، وهي تعتبر جميعها حدائق عامة أكثر من كونها ميادين رئيسية في المدن.

قلب المدينة

في أيام الصيف القائظ أو الشتاء القارس، يكون من الصعب الذهاب إلى ميدان تيانانمن. هنا واجهت "الجمهورية الشعبية" الصينية عام 1989 تحديا من جانب الحركة المطالبة بالديمقراطية. في الخامس من يونيو/ حزيران في ذلك العام، فتحت قوات الجيش وأفراد الشرطة النار على المتظاهرين، مما أدى لمقتل المئات وربما الآلاف منهم. أطلق هذا الاسم على الميدان تيمنا "ببوابة تيانانمن" التي تعني بوابة السلام الالهي.

الصورة الأكثر التصاقاً في الذهن في ذلك اليوم المروع، هي صورة ذلك الرجل الذي كان يرتدي قميصاً أبيض ويحمل بكلتا يديه حقيبة تسوق، وأظهر قوة وشجاعة في مواجهة رتل من الدبابات التي كانت تتحرك على طول الجهة الشمالية من الميدان. لا أحد يعرف هوية ذلك الرجل الجسور أو ما الذي حدث له، فقد ابتلعه ميدان تيانانمن.

مصدر الصورة Getty
Image caption ساحة بياتسا سان ماركو كانت رمزا للقوة الاقتصادية والسياسية لمدينة البندقية وأطلق عليها نابوليون بونابرت لقب "مرسم أوروبا"

في السنوات الأخيرة، لم تكن فقط المدن الكبرى في العالم هي التي أنفقت على توسيع وتنمية ميادينها التاريخية، بل إن فكرة انشاء "بلازا" أو "بياتسا" أو الميدان أصبحت فكرة رائجة. فقد دبت الحياة من جديد في الميادين المهجورة في الولايات المتحدة، مثل ميدان "هوستن" و"ميدان السوق" في بتسبيرغ و"مارشيوس" في ساحة ديترويت الذي يذكرنا اسمه بالساحات الشعبية الكبيرة في الإمبراطورية الرومانية.

ربما يكمن العامل الأساسي وراء استعادة هذه الميادين لشعبيتها هي أنها بالفعل أماكن ملائمة لتجمع الأفراد. لكن بعضا من أكبر الميادين في العالم تكون تقاطعات ضخمة للطرق السريعة. ساحة الكونكورد في باريس على سبيل المثال، من الصعب أن يتجمع فيها الناس أو أن تكون ملائمة حتى للسير فيها.

لكن، كانت هناك نزعة منذ فترة طويلة لدى الأنظمة السياسية من بينها نظام نابليون وماو تسي تونغ، للتخلص من كل شيء فوضوي وغامض في الحياة البشرية يمكن أن يكون قد منح الميادين منذ الرومان تلك المكانة الانسانية الخاصة، واستبدال طبيعتها اليومية المعتادة بأبهة المواكب والسياسة والجنود.

ورغم تنوع الأساليب التي جرى من خلالها توسيع المدن، فإن مراكزها وميادينها الرئيسية لا تزال تمثل أهمية خاصة، ويأتي في قلب هذه الأهمية الأغورا، أي مكان التجمع الديمقراطي، أو الميدان العام.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture.

المزيد حول هذه القصة