كيف غير البريد الإلكتروني حياتنا؟

مصدر الصورة Getty

إن كنت قد أرسلت رسالة إلكترونية بالخطأ إلى شخص ما، أو أنك ضغطت سهواً على المساحة الخاصة بـ"الرد على الجميع"، فسوف تمنحك هذه القصة التي وقعت عام 2008 شعوراً بالراحة.

بدأت القصة عندما شرعت محامية في فيلادلفيا بالولايات المتحدة في كتابة رسالة إلكترونية إلى زميل لها في العمل، وتضمنت الرسالة المطوّلة مقترحاً لتسوية دعوى قضائية ضد شركة "إيلي ليلّي وشركاه"، عملاق صناعة الأدوية.

عندما بدأت المحامية في كتابة العنوان البريدي الإلكتروني باسم زميلها في المساحة الخاصة بـ"المرسل إليه"، لم تلاحظ أن برنامج البريد الإلكتروني قد أكمل تلقائياً كتابة اسم شخص آخر.

كان مستلم هذه الرسالة هو أحد مراسلي صحيفة نيويورك تايمز. وبعد أيام، نشرت الصحيفة على صفحتها الأولى خبرا حول تلك التسوية المقترحة بمليارات الدولارات. وليس معلوماً دور ذلك الخطأ في السبق الصحفي للجريدة، لكنه ظل من أكبر الأخطاء الفادحة للبريد الإلكتروني التي تتناولها الألسن على الاطلاق.

إن هيمنة البريد الإلكتروني على اتصالاتنا الرسمية جعلت لدينا جميعاً حكايا نرويها عن الأخطاء الفادحة التي أحرجتنا – مع أملي أن نتجنب الأخطاء التي تكلف مليارات الدولارات. أضف إلى ذلك عبئا آخر، وهو الالتزام الذي لا يُقاوم بالرد على ما يصلنا من رسائل.

لكن اعتماد البريد الإلكتروني كوسيلة للاتصالات الرسمية أعاد صياغة الطرق التي ننفذ بها أعمالنا، فخلال جيل واحد، تطور عملية إرسال واستلام المعلومات من عملية بطيئة وغير مؤكدة إلى عملية فائقة السرعة.

وبحسب الباحثين في شركة "راديكاتي غروب"، هناك مئة مليار رسالة إلكترونية ذات طابع رسمي تُرسل يومياً. يُتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 130 مليار في عام 2017.

لقد حدث كل ذلك في غضون عقدين فقط. فحتى قبل 20 سنة خلت، كان عدد قليل فقط من الناس يستعمل البريد الإلكتروني بشكل مستمر.

من المؤكد أن العديد منّا قد فتح صندوقاً بريدياً مع "أي أو إل" في تلك الأيام، إلا أن الأعمّ الأغلب منها كان شخصياً. خلال التسعينيات من القرن الماضي، لم تكن الردود السريعة قاعدة متّبعة. حتى إرسال الوثائق بالفاكس كان يعد وسيلة فعالة أكثر من ارسالها بالبريد الإلكتروني.

تغير الوضع في السنوات الأولى من الألفية الثانية، عندما أصبح البريد الإكتروني في المكاتب أمراً شائعاً ولا مفر منه. ثم جاء هاتف "البلاك-بيري" في عام 2003.

لم يكن ذلك أول هاتف يتيح خدمة فتح البريد الإلكتروني، لكن سهولة حمله وتشغيله ولوحة مفاتيحه التي في متناول اليد، والمواصفات الأمنية له، جعلت المهنيين وأصحاب الأعمال يتحققون من بريدهم الإلكتروني بشكل متكرر، ويردون على الرسائل بشكل فوري تقريبا، حتى خارج أوقات الدوام.

مصدر الصورة Thinkstock

يقول ويل شوايلبه، نائب الرئيس التنفيذي لشؤون تطوير التحرير وابتكار المضمون في دار "ماكميلان" للنشر في مدينة نيويورك إن البريد الإكتروني غيّر جوهرياً، وفي زمن قصير، الطريقة التي يعمل بها تقريباً كل محترف ومهني.

فجأة، أصبح الناس مهووسين بمراقبة بريدهم الإلكتروني، ويقضون ساعات لإرسال واستلام رسائل تخصهم، وينتابهم القلق من القواعد غير المحددة لآداب وسلوك البريد الإكتروني.

ويضيف شوايلبه: "جاءت هذه الخدمة إلى عالمنا دون أي دليل حول كيفية استعمالها."

تغيير أعمالنا وحياتنا

كان شوايلبه، في الأيام الأولى من الألفية الجديدة، يعمل محررا لأحد الكتب، سرعان ما بدأ بملاحظة الوقت الكثير الذي يقضيه مع البريد الإكتروني.

ويقول: "كأننا استيقظنا جميعاً في يوم من الأيام وأدركنا أننا نقضي 70 في المئة من أوقاتنا في اليوم مشغولين بالبريد الإلكتروني."

وبالتالي، في عام 2006، جلس شوايلبه مع المؤلف ديفيد شبلي لتأليف كتيب تخصصي.

وأصبح كتيّب "أرسل: لماذا يخطيء الناس في إرسال بريد الكتروني إلى هذا الحد، وكيف تجيد ذلك" دليلاً من بين أوائل الكتب في قواعد إرسال بريد إلكتروني رسمي.

من ضمن إرشادات الكتيب: يتوجب على المديرين تحديد تقاليد جيدة لإرسال بريد إلكتروني، وينبغي على الموظفين تجنّب الرد على الجميع عند ورود رسالة عامة (يندر أن يكون ذلك ضرورياً)، ويتوجب على الشركات أن تستحدث مختصرات خاصة بالشركة، فمثلاً: (ل/د/ر قد تعني: لا داعي للرد).

بالنسبة لأولئك الذين يبرعون في هذا الأمر، أصبح البريد الإلكتروني أول موزع شبه فوري للمعلومات على وجه الأرض.

يقول شوايلبه: "البريد الإلكتروني ليس إلا نظاماً عظيما للتواصل بين الناس".

يصعب تحديد مدى الكفاءة والفعالية الأكثر التي أصبح عليها العالم بفضل البريد الإلكتروني.

أقصد بذلك إرسال المعلومات والتواصل المعتاد على حد سواء، مثل تحديد موعد لقاء أو تعارف. أما الآن، وبوجود البريد الإلكتروني على الهواتف وحتى الساعات الذكية، فقد تحول إلى عبء على البعض.

فهذه الخدمة تعني عدم الانفصال عن جو العمل، كما تقول جولي مورغينستيرن، الخبيرة في إدارة الوقت، ومؤلفة كتاب "لا تفتح بريدك الإلكتروني في الصباح".

مصدر الصورة thinkstock

تكمن المشكلة في أن الكثيرين يسمحون لبريدهم الإلكتروني بأن يستحوذ عليهم، حتى وإن لم تطلب الشركة التي يعملون فيها أن يردّوا على بريدهم في كل ساعة من ساعات الأسبوع، حسبما تقول مورغينستيرن.

وتضيف: "البريد الالكتروني يمثل خدمة قوية بشكل رائع، لكن إن لم تتخذ الحيطة، فسوف تستحوذ على كل وقتك."

هناك أمر آخر مؤكد، وهو أنه لا يمكننا ببساطة أن نتغافل عنه، وليس فقط لأن عملنا لا يسمح لنا بذلك. فالبريد الإلكتروني يولّد الإدمان عليه، فهو يثير نفس المناطق الدماغية التي يثيرها مخدر مثل الكوكايين، وذلك بحسب توم ستافورد، الباحث بجامعة شفيلد،.

ويعود السبب إلى أن الناس يحسون بنشوة الاندفاع عندما يقومون بالرد على البريد الإلكتروني.

في الحقيقة، هذا شعور كاذب بالكمال، ويعود في جزئه كبير منه إلى عدم ظهور مراسلاتنا الإلكترونية ضمن مهماتنا الوظيفية وخصائصها.

يُستثنى من ذلك، بحسب مورغينستيرن، العاملون في قسم خدمة العملاء، حيث تشمل مهامهم الوظيفية إرسال واستلام الرسائل والإخطارات.

أما بالنسبة لبقية الناس في الغالب، فلن يعتمد الأداء الوظيفي على عدد الرسائل الإلكترونية التي يرسلونها يومياً.

مزيد من الإيجابيات

يكمن السر في التخلص من إدمان البريد الإلكتروني في تقليل الوقت الذي تصرفه يومياً للرد على بريدك، وفق رأي مورغينستيرن.

ابدأ بتجنب الاطلاع على صندوق بريدك الإلكتروني في ساعة يومك الأولى. ثم أضف إليها ساعة قبل ذهابك للفراش. ستجد أوقاتاً تلائمك أثناء النهار للرد على البريد الإلكتروني، وهي أوقات تعتبرها ذات إنتاجية أقل من أن تنجز مهاما أخرى.

ماذا لو تخلفت عن الرد على بريدك الإلكتروني، ووجدت آلاف الرسائل في بريدك؟ تنبّهنا مورغينستيرن قائلة: "لا تحاول اللحاق بها، فلن تفلح في ذلك أبداً." وعوضاً عن ذلك، اعلن عن "إفلاسك البريدي". وهو مصطلح يعود لأحد أساتذة القانون بجامعة هارفرد عام 2004.

يبدأ الأمر بإنشاء ملف، لنسميه مثلا "2014". ضع كل الرسائل الإلكترونية القديمة فيه. من المرجح أنك لن تقرأها جميعاً. لذا، من الأفضل أن تلقيها جميعاً في ذلك الملف وتبدأ من جديد، وسيكون الوقت قد حان لتطبيق أفضل الممارسات في التعامل مع الرسائل.

يسهل التعامل مع البريد الإلكتروني كلما تفاوتت فترة الرد علي الرسائل، وذلك ما تنصح به ناتالي هيوستن، مدربة الإنتاجية والاستاذة المساعدة للغة الانجليزية بجامعة هيوستن بتكساس الأمريكية. إذا ما أرسلت ردا على كل رسالة في الحال، فإنك تعوّد أقرانك في العمل على تصور أنك على الخط دوماً لترد عليهم. انتظر لبضع ساعات قبل الرد، إن لم تكن المسألة ضرورية جداً.

مصدر الصورة Thinkstock

فكِّر مليّاً فيما ستكتب وترسله عبر البريد الإلكتروني، وبإمكانك أن تقلل عبء الرد على كل الرسائل لديك، وفي جميع الأوقات، وذلك بكتابة ردودك بعناية. استعمل مقاطع صغيرة، ورؤوس نقاط للمواضيع، وعناوين فرعية، بحسب نصيجة هيوستن.

تحوي محادثة نموذجية بالبريد الإلكتروني على سبع ملاحظات. لكي تجعل الرسالة الأولى فعالة، عليك أن تحصل على ردود فعل أقل. سيساعدك هذا في تخفيف زخم البريد المرسل إليك.

"تنطبق نفس القواعد المطلوبة لكتابة مقترح جيد على كتابة رسالة جيدة بالبريد الالكتروني،" حسبما تقول هيوستن. وتضيف: "تريدها أن تكون سهلة الفهم، وأن توصل الفكرة التي تريدها دون الرجوع إليها مراراً وتكراراً".

ثم هناك تلك القاعدة البسيطة التي يتبعها شويلبه: إذا كانت رسالتك مثيرة للجدل، أو معقدة الفهم، فهي لا تلائم البريد الإلكتروني.

نحو الأفضل

يمكن لصناديق البريد الإلكتروني الفائضة أن تسبب التوتر والإرباك، إلا أنه لا يمكن مجادلة الأمر التالي: لقد غيّر البريد الإلكتروني جوهرياً العديد من مجالات العمل نحو الأفضل.

المثال على ذلك: شركة تيلر للتغليف في بلدة امبيريال بولاية ميسوري الأمريكية.

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، كان مصمم التغليف البلاستيكي يرسل النماذج إلى الزبائن عبر البريد العادي. ثم تعود النماذج، أحياناً بعد أسابيع، مع ملاحظات الزبون بالتغييرات التي يريدها أن تُجرى.

يتبع ذلك عدة جولات مثل هذه، أما الآن، تبعث المديرة التنفيذية للشركة، سارا تيلر هاردي، نموذجاً رقمياً (إلكترونياً) وتحصل على التغييرات المطلوبة خلال ساعات أحياناً.

وتضيف هاردي: "عادة ما كانت تستغرق ذلك ستة أسابيع من البداية حتى إنهاء العمل، عن طريق البريد العادي البطيء. والآن؟ يمكننا إنهاء العمل وإرساله إلى الزبون خلال أسبوع، بكل سهولة."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة