أربع طرق لكسب ثقة الآخرين

مصدر الصورة Thinkstock

يُستعمل تعبير "عليك أن تثق بي" كثيرا لدرجة تفقده معناه بمرور الوقت. من الطبيعي أن يطلب الكلّ ثقة الآخرين، فالشركات تريد أن نثق بها، وزملاؤك يحتاجون إلى ثقتك لكي تنجز أعمالهم. فكيف تكسب ثقة الآخرين؟

من نواحٍ عديدة، تشبه الثقة مادة الغراء التي تشد بعضنا إلى بعض. وفي المقابل، فهي تجعل تفاعلنا مع بعض أكثر سلاسة. فنحن نبيع ونشتري البضائع من أناس آخرين عبر خدمة "إي باي"، وتعتمد مثل هذه الصفقات على الثقة بشكل كبير.

نركب في سيارات الآخرين، مثل تلك التي تقدم خدمات التاكسي، أو ندع غرباءً ليبقوا في بيوتنا لبعض الوقت عن طريق بعض مواقع الإنترنت، ويتطلب ذلك قفزة نوعية كبيرة في مسألة الثقة التامة بالآخرين. كما أننا نقدم بيانات شخصية جداً تخصنا إلى شركات عامة مثل "فتبت" أو "أبل"، ونثق بأنها ستحافظ على تلك البيانات في أماكن آمنة وسرية.

ننجز أعمالنا في مكاتبنا ضمن فرق متعاونة، ونثق بأن زملاءنا سيقومون بالواجبات الملقاة على عاتقهم ويُنجزون ما يُطلب منهم.

في كل مرة تقريباً نتعامل فيها مع أناس آخرين، نجد أن ذلك يصاحبه مقدار معين من الاعتقاد بأن الأشخاص أو الشركات التي نتعامل معها هي جديرة بالثقة.

لكن لا يمكن نيل الثقة إلا عبر العمل الدؤوب والنشاط الفعال، وليس بالنيات الطيبة وحدها.

فلكي تنال أية شركة ثقة الناس بها، عليها أن تبرهن أن مثل هذا الأمر متوافر فيها. ويجب عليها إثبات ذلك، ليس بالكلمات فقط، ولكن بالأفعال أيضاً. يبدأ ذلك من مجالس الإدارة، والإدارة التنفيذية، انتهاءً بواجهات المتاجر، ومروراً بأرضية المصانع، والحارس الذي يحيي العاملين والزبائن وهم يمرون عبر الأبواب.

كيف يمكنك أن تجعل من عبارة "ثق بي" عبارة ذات مغزى؟ يمكن تطبيق نفس المبادئ على الشركات والأشخاص على حد سواء.

لا تتحدث فقط – بل طبّق ذلك. الأعمال أقوى من الكلمات. لا يكفي أن تنطق ببساطة بعبارة "ثق بي" أو تحدد الهدف المطلوب من خلال الكلام فقط. إذ يسهل التعرف على الايماءات الدّالة على معنى ما، لكن في الحقيقة الأفعال البسيطة هي التي تترك أثرها الفعال بمرور الأيام.

عندما تخبر مجموعة الإدارة التنفيذية مجلس الإدارة مثلا بـ"إننا متلزمون بإثبات المواطنة الصالحة لدينا تجاه البيئة"، لكن كل ما أريد أن أراه هو تفاصيل تلك الإجراءات التي ينوون تطبيقها. كما أريد أن أرى نتائج تلك الاجراءات لكي أعرف أنها أكثر من أن تكون تملّقاً فقط.

مصدر الصورة Thinkstock

على المستوى الفردي، تعد أمور مثل الحضور في الموعد المحدد، والالتزام بمواعيد إنجاز المهام، والرد المباشر على الأسئلة، أمورا غير ملحوظة تقريباً، ولكنها بمجموعها تبني الثقة بين الزملاء ومع الزبائن. كما ينطبق نفس الشيء على الشركات والتجارة والأعمال، وهي أمور يجب اتباعها في الالتزامات التجارية بدقة. كما ينبغي التأكيد عليها في العلاقات التجارية وتطبيقها في السلوك اليومي الذي تشرف عليه الشركة أو المؤسسة.

الشفافية: إن واحدة من أكبر الحواجز أمام بناء الثقة هي السرية أو الكتمان. ليس هناك أدنى شك في أنه توجد أمور يتوجب علينا إبقاءها سرية في التجارة والأعمال، إلا أن هناك وسائل تستطيع الشركة من خلالها توضيح ممارساتها، دون الكشف عن المعلومات السرية أو الخاصة.

اذا أردت من الناس أن يثقوا بك أو بشركتك، فيجب عليك على الأقل أن تبين رغبتك في إعلام الآخرين ببعض المعلومات التي تلعب دوراً في اتخاذ قراراتك. إن الاستعداد للتعامل مع الأسئلة بحكمة، وإتاحة المجال للآخرين لكي يتحققوا قليلاً من الأمور سيساعد على بناء الثقة.

أما إذا أظهرت استياءً أو تعاملت بأسلوب دفاعي - مثل قولك: "ماذا؟ ألا تثق بي؟" - فإنك ستثير حفيظة الناس وتجعلهم يفكرون في أنك ربما تخفي أمرا ما، سواء كانوا على صواب أم على خطأ. وإذا وجّه أعضاء مجلس الإدارة في الشركة أسئلة محددة للتقصي عن بعض الحقائق، فإنهم يُظهرون إدارتهم الجيدة لسير العمل. وعندما يقوم الزبائن بنفس الشيء، فإنهم يظهرون اهتمامهم بالبضاعة أو الخدمة المقدمة، وأنهم يقبلون عليها.

الشفافية مهمة، وخاصة عند بروز الحاجة إلى إعادة بناء الثقة. على سبيل المثال، خرجت علينا البنوك مؤخراً بتصريحات قوية حول الإصلاحات الوشيكة، إلا أن سلوكياتها تمضي عكس تعهداتها الكثيرة التي قدمتها.

ففي الآونة الأخيرة، رأينا بنك "إتش إس بي سي" وهو يتصدر عناوين الأخبار التي تزعم أن البنك ساعد زبائنه على التهرب من الضرائب. وأنماط السلوك هذه تستمر في جرح الثقة، وتصبح إعادة بنائها أصعب كلما مرت الأيام.

يريد الناس أن يروا إجراءات حقيقية، وقوية، وأن يدركوا أن الأشخاص المسؤولين عن اقتراف الأخطاء سيحاسبون بالفعل، وأن سلوكيات وممارسات التعامل في مجال العمل ستتغير حقاً نتيجة لذلك. حتى إذا ما حصل ذلك، فإن الأمر سيحتاج إلى وقت، وإلى تضافر الجهود لإعادة بناء الثقة المفقودة بسبب أعمال متهورة سابقة.

مصدر الصورة Thinkstock

الغايات لا تبرر الوسائل. في وقت مضى، اعتقد قادة الأعمال والتجارة أن الغاية تبرر الوسيلة. فما دامت الشركات تحقق النتائج المرجوة من أصحاب الأسهم، ليس مهماً النظر إلى الطريقة التي حققوا بها تلك النتائج، سواء كان ذلك عن طريق إحداث أضرار بيئية، أو دفع رواتب منخفضة، أو إدارة خاطئة، – فكل شيء كان مقبولاً.

لم يعد المستهلكون والزبائن ومنظمات المجتمع المختلفة تقبل بذلك. إذ يتطلب بناء الثقة في زمننا الحالي من الشركات أن توضح شروط المواطنة الصالحة في أروقتها، وأن تكون لها التزامات حقيقية نحو مسؤولياتها الاجتماعية.

فالمستثمرون والمستهلكون والزبائن وغيرهم يبدون قلقا بالغا عندما يظنون أن الشركات تشارك في ممارسات سيئة فيما يخص حقوق العمالة. ظهر ذلك في القلق الذي ساور العديدين بشأن ارتباط شركة "أبل" مع "فوكسكون"، أو شركات يُعتقد بأنها لا تدفع نصيبها العادل من الضرائب، مثل الجدل الدائر في أوروبا حول "ستاربكس"، وكذلك حول "ماكدونالدز" مؤخرا.

ينطبق نفس الشيء بصدق على سلوكيات الأفراد. إن إظهار الاحترام والتقدير للزملاء والزبائن في العمل هو الأسلوب الوحيد حقاً لتحقيق التقدم. حتى أولئك الذين يبدون وكأنهم يتقدمون على غيرهم في بادئ الأمر من خلال اتباع سلوكيات غير مقبولة أخلاقياً، سيجدون في نهاية المطاف أنهم يحتاجون إلى المساعدة من زملائهم، ويتعلمون بسرعة أنهم لن يجدوا من يقدمها لهم.

المساءلة: هذا أمر واضح تماماً. إذا ما ارتكبت خطأ ما، عليك تحمّل المسؤولية، سواء كان ذلك على مستوى فردي أو على مستوى العمل والإدارة. إنها حقاً بهذه السهولة. وغالباً ما يكون الناس متسامحين تجاه خطأ ما إذا أظهر فرد ما تحمّله للمسؤولية عنه، وتصرف بسرعة لتصحيح الخطأ. وينطبق نفس الأمر على الشركات والمؤسسات. فعند القيام بذلك بوضوح وشفافية، سيكون ذلك مدعاةً لدعم وتعزيز الثقة.

يعمل البعض على الإدلاء بتصريح رسمي حول الأهداف والمباديء، أو الإعلان عن النوايا، للتعريف بما يخططون له. إلا أن اتباع ذلك بإجراءات وأفعال ملموسة وشفافة، سيعمل على بناء الثقة، سواء كان ذلك في بناء علاقات وطيدة مع زملاء العمل، أو علاقات طويلة الأمد مع الزبائن ومؤسسات المجتمع المختلفة.

يجب السعي لكسب الثقة، وتتطلب المحافظة عليها جهداً متواصلاً، إلا أن الأمر يستحق كل ذلك العناء.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة