كيف نخطىء بإقناع أنفسنا بأننا على صواب؟

مصدر الصورة Alamy

كيف يمكن لك أن "تقرأ" ملامح رئيس تنفيذي لشركة ما لتعرف ما يفكر فيه؟ لقد تبين أن هذا الأمر ليس بالصعوبة التي قد تتصورها، حتى وإن كنت تراقب ملامح أصحاب "أكثر الوجوه صلابة" من المديرين التنفيذيين.

كنت أجلس في المكتب مع مدير تنفيذي لإحدى الشركات، خلال تفكيره مليا في عملية استحواذ كبيرة. وكان يراجع تقارير وتحليلات من مختلف الأشكال، أعدها أعضاء في فريقه. كما كان يطالع توصيات شركة استشارات كبيرة جرى الاستعانة بها لتقديم بيانات "تتسم بالموضوعية".

رغم ذلك، كنت على علم بما يعتزم ذلك المدير التنفيذي القيام به، حتى قبل أن يعلن هو عنه.

كيف تسنى لي ذلك؟ فقط بمتابعة تلك البيانات التي آثر هذا المدير التنفيذي أن يبدي اهتمامه بها.

فالبيانات لا تُصاغ كلها على نحو متماثل. وقد تبين أننا دائما ما نقرر أي المعلومات التي نراها أفضل من غيرها، إذ أننا ننجذب إلى وجهة النظر التي تلائم ما نفكر فيه بالفعل، ونتجاهل الاستنتاجات التي ربما تطعن في صحة افتراضاتنا بشأن ما نعتبره منطقيا، وما نراه غير ذلك.

وعلى كل الأحوال، ليس المديرون وحدهم هم من يخضع لمثل هذه الطريقة من التفكير. فالمثل القديم الذي يقول إن الناس يسمعون ويرون ما يرغبون في تصديقه، أكثر صحة مما قد تتصور.

فعلى سبيل المثال، عندما تدهورت مؤخرا نتائج اختبارات القبول الخاصة بكليات القانون (الحقوق) في الولايات المتحدة، قالت الرابطة المسؤولة عن إجراء الاختبارات إن ذلك يعكس تدني المعايير المتبعة في هذه الكليات نفسها.

وفي مواجهة تلك الانتقادات، رد عمداء 80 من كليات القانون بالقول إن الاختبارات لا تعكس بدقة مستوى الطلاب لديهم.

بطبيعة الحال، لم يكن لدى هؤلاء العمداء أي مشكلة مع هذه الاختبارات في السنوات السابقة عندما كانت درجات الطلاب أعلى بشكل عام.

وهكذا، فبدلا من أن يستمع عمداء كليات القانون إلى تلك الانتقادات، آثروا توجيه اللوم إلى الاختبار نفسه.

ولا يختلف ذلك عن اتباع أسلوب انتقائي مع الدراسات الخاصة بالتغذية لكي يبرر كل منّا أي نمط يفضله من الأطعمة، سواء كان شديد الملوحة أو قليلها. دسم للغاية، أو العكس.

ففي ظل المعلومات المتاحة لنا بسهولة لدعم كل ميولنا وتفضيلاتنا تقريبا، فإن هناك – فعليا - خيارات متنوعة جاهزة لكي نستعين بها لدعم وجهة نظرنا قائلين :" هناك هذه الدراسة التي تقول..".

وفي بعض الأحيان، يكون لهذه النزعة المتغطرسة القائمة على الاعتماد على بيانات ودراسات نركز عليها أكثر من سواها، تداعيات أوسع نطاقا.

مصدر الصورة Thinkstock

فعندما ألحق الإعصار كاترينا دمارا واسعا بمنطقة نيو أورليانز الأمريكية عام 2005، ارتكبت وزارة الأمن الداخلي المسؤولة عن مراقبة الأعاصير وبلورة الإجراءات اللازمة للتعامل معها عدة أخطاء، تمثلت في التوقعات الخاطئة، وتجاهل بيانات طبوغرافية مهمة.

فقد اعتُبِر كاترينا إعصارا لا يختلف عن غيره من الأعاصير التي تضرب فلوريدا في كل صيف، ولذا فقد رأى المسؤولون الأمريكيون أنه لا يستحق أن يتم التحسب له عبر اتخاذ تدابير صارمة.

وبوجود طريقة تفكير مثل هذه، ظل المسؤول عن فريق دراسة الاحتمالات وتقييم المخاطر - وهو رجل متأنق على نحو مفرط كان من قبل جنرالا في سلاح مشاة البحرية الأمريكية - يفسر المعلومات المتنوعة التي يتلقاها مكتبه بشكل يتسق تماما مع حكمه المسبق على الإعصار المرتقب، متجاهلا أي تفسيرات أخرى.

وفي هذا السياق، اعتُبرت التقارير الخاصة بحدوث ثغرات في السدود مشكوكا في صحتها وغير مكتملة، ولم ينظر لها بوصفها تقارير واقعية تشير إلى أن ثمة حاجة إلى إجراء تغيير فوري في المسار الذي تتخذه الخطة الموضوعة للتعامل مع الإعصار.

وعندما شاهد هذا الجنرال المتقاعد تقريرا بثته شبكة "سي إن إن" التلفزيونية، يظهر الناس في الحي الفرنسي من نيو أورليانز، وهم يحتفلون في الشوارع، خلص من ذلك – كما قال في ما بعد خلال إفادته أمام الكونغرس – بأن إعصار كاترينا لن يكون بالسوء الذي يخشى منه البعض.

ولكن ما هي المشكلة الأكثر خطورة هنا؟ هي أن غالبية أنحاء نيو أورليانز تقع تحت مستوى سطح البحر، بينما لا تعاني من ذلك غالبية المناطق في فلوريدا.

كما أن الحي الفرنسي في نيو أورليانز كان من بين المناطق القليلة في المدينة التي لا ينخفض مستواها عن سطح البحر، ولذا فقد كان محميا بشكل نسبي من الآثار المدمرة الناجمة عن الفيضانات.

مصدر الصورة Thinkstock

غير أن الحقيقة أنه لا يوجد من هو محصن من هذا النوع من السلوك والتفكير. فالمديرون التنفيذيون والجنرالات وعمداء الكليات وخبراء نظم التغذية، وكذلك - وإلى حد كبير – كل من يقرأ هذه السطور، كل هؤلاء جميعا عرضة للتأثر بتلك النزعة الإنسانية المتأصلة فينا، والتي تتمثل في رغبتنا في أن نكون على حق، وبحثنا عن وسيلة لتأكيد صحة وجهة نظرنا؛ سواء لأنفسنا أو لمن حولنا.

ولكن ثمة ثمنا ندفعه مقابل ذلك. يدفعه المديرون الذين يتخذون قرارات خاطئة، وكبار الأكاديميين الذين يتجاهلون المشكلات الكامنة، وخبراء نظم التغذية الذين يسببون لأنفسهم الضرر أكثر مما يجلبون لها من نفع، والجنرالات الذين يثبتون بقراراتهم أنهم لا يتسمون بالكفاءة في أوقات الأزمات.

كل هذه أثمان نتكبدها عندما نكون – ذهنياً- غير أمناء مع أنفسنا.

ومع أنه من العسير محاربة الطبيعة البشرية، فإننا لا نخوض هذه المعركة مجردين من الدفاعات، إذ أن هناك سبلا لمواجهة ما يُعرف بـ"عمى البيانات" الذي نعاني منه، أو بعبارة أخرى تفضيلنا لأن نتعامى عن بيانات بعينها، نظرا لكونها لا تتلائم مع ما نرغب فيه.

أول هذه السبل أن تلجأ لسؤال شخص تثق فيه ولا يخشى من أن يصارحك بما يعتقده بالفعل، عن رأيه.

ولتسمح لهذا الشخص بأن ينظر بشكل نقدي لطريقة تفكيرك، وبأن يضغط عليك، وبأن يتساءل عن الأسباب التي حدت بك لاختيار الاعتماد على البيانات التي آثرت أن تستند إليها.

أما ثانيها، فيتمثل في أن تكون أمينا مع نفسك. نعم، ربما لا يكون ذلك واقعيا، ولكن يحلو لي الاعتقاد أن بمقدورنا التعرف على بعض الطرق التي نختار من خلالها أن نخدع أنفسنا.

من المفيد هنا أن يبدأ المرء بسؤال نفسه : "لماذا قد أكون أنا على خطأ"، وكذلك عن أسباب كونه يشعر براحة غامرة للاعتماد على تلك الدراسة بعينها التي تدعم تفضيلاته.

الخلاصة هي أن عليك أن تمنح نفسك الفرصة لكي ترى العالم كما هو، وليس على الشاكلة التي تأمل في أن يكون عليها.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة