واشنطن دي سي: المدينة الأكثر نفوذا في العالم؟

مصدر الصورة Getty

في زمن مضى، كانت العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي مزدحمة بوسائل المواصلات، ويخيم عليها الهدوء التام مع حلول الظلام، ناهيك عن أنها كانت أحد أخطر الأماكن في الولايات المتحدة الأمريكية.

كان عدد قليل من الساسة وأصحاب الأعمال يفكرون في البقاء في المدينة بعد انتهاء ساعات العمل، ما لم يتجمعوا سوية في أحد الأحياء المجاورة مثل "جورج تاون"، أو "ديوبونت سيركل" أو "أدامز مورغان".

إذا ما انتقلنا عقدين إلى الأمام سنرى أن العاصمة أصبحت الآن أكبر مكان يقصده الناس، حسب دار نشر "لونلي بلانيت" لعام 2015.

أما صحيفة "نيويورك تايمز" فتسمّيها "بروكلين الجديدة". العاصمة الأمريكية، على ما يبدو، تمر بعصر نهضة، حيث يتجنب الجيل الجديد ضواحيها المترامية الأطراف ليبثّوا الحياة العصرية في قلبها الحضاري.

استهوت واشنطن دي سي دوماً المهنيين الذين كانوا يقصدونها بغرض العمل، لكن هؤلاء الطموحين الناجحين أصبحوا يميلون أكثر من أي وقت مضى إلى قضاء أوقات أكثر فيها.

كان راج باتيل، وهو متعهد استرالي عمره 28 عاماً، يُسافر إلى واشنطن دي سي مرات عديدة في الوقت الذي كان يؤسس فيه شركة ناشئة للرحلات والاتصالات.

يقول باتيل: "إنها مدينة جميلة. وهناك مجال رحب، ومعمار جميل، وأشجار ومتنزهات. إنها تذكرني بموطني في سيدني أكثر من نيويورك."

إلا أن باتيل يرى أن وتيرة التجارة في واشنطن دي سي تعاني من الاحتقان، وهذه ليست مشكلة سياسية فقط، بل "الأمر الوحيد المخيب للآمال، وإلاّ أصبحت مدينة عظيمة."

إذا ما وضعنا أعمال التعمير والترميم جانباً، فإن العاصمة تبقى كما كانت على الدوام: مرتعاً خصباً لموظفي الدولة الإتحادية من ذوي الدخل العالي، والسياسيين المتواضعين. إنها محور للسياسة العالمية، وموطن ليس فقط للنصب الرخامية، ولكنها تحوي أيضاً المكاتب الرئيسية للبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والكثير غيرهما.

مصدر الصورة Mark Johanson

أضف إلى ما ذلك، هناك 175 سفارة، ونشاطاً مزدهراً للمؤتمرات، ومكاتب الكثير من الشركات الكبرى الواقعة ضمن تصنيف "فورتشن 500" للشركات الأكثر تأثيرا، بما في ذلك شركة "بيبكو القابضة"، و "مجموعة كارلايل".

سترى المشهد واضحاً أمامك، وستعرف السبب في أن مدينة الحالمين والديماغوجيين هذه تعد واحدة من أكثر مدن أمريكا الشمالية التي يقصدها أصحاب الأعمال في سفرهم.

في عام 2014 وحده، أضيفت أكثر من 1,800 غرفة جديدة إلى فنادقها، حسبما أوردته مؤسسة "ديستنيشن د.سي." للتسويق.

المطار

للعاصمة واشنطن دي سي ثلاثة مطارات، لا يقع أي منها في حدود المدينة. "مطار واشنطن دالاس الدولي" و "مطار رونالد ريغان الوطني"، ويقعان في ولاية فرجينيا المجاورة، بينما يقع مطار "بالتيمور-واشنطن الدولي" في الجانب المقابل، في ماريلاند.

مطار ريغان هو الأقرب إلى العاصمة، لكنه يستقبل الرحلات الدولية فقط من مطارات تتمتع بالتسهيلات المسبقة التي تقدمها سلطات الجمارك وحماية الحدود الأمريكية.

مطار بالتيمور-واشنطن هو أكثرها ازدحاماً، وتستعملها بكثرة خطوط الطيران المحلية ذات الرحلات الرخيصة، إضافة إلى عدد محدود من الرحلات الدولية.

لمطار واشنطن دالاس نصيب الأسد من الرحلات الدولية القادمة، ومنها قرابة 46 في المئة هي رحلات لأصحاب الأعمال والتجارة.

ورغم ذلك، عليك توخي الحذر؛ إذ أنه غالباً ما يُذكر في استطلاعات الرأي للمسافرين والشركات على أنه أحد أسوأ المطارات في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب التأخيرات المتكررة، والتخطيط المربك، والخيارات القليلة المتاحة لتناول الطعام.

على مسافري الأعمال الذين يصلون إلى مطار واشنطن دالاس أن ينتبهوا أيضاً إلى بعده عن العاصمة – فهو يبعد مسافة 45 كيلومتر. ويعد استئجار سيارة أجرة هو أسرع خيار متاح في غير ساعات الذروة، لكنه سيجعل محفظتك أخفّ حملا بعد إنفاق أكثر من 70 دولاراً أمريكياً مقابل هذه الرحلة.

مصدر الصورة Mark Johanson

يربط خط الحافلات السريع "واشنطن فلاير" مطار دالاس بمحطة "ويله-ريستن" على "الخط الفضي" الجديد من شبكة قطارات الأنفاق، التي تبعد 10 دقائق تقريباً (وأجرة تلك الحافلات هي خمسة دولارات فقط).

يأخذك "الخط الفضي" للقطارات مباشرة إلى قلب المدينة دون الحاجة لتغيير القطار، وذلك بمبلغ يتراوح ما بين 3.60 دولار و 5.90 دولار، وفقا لتوقيت الرحلة، مما يجعل التنقل بواسطته أرخص الوسائل المتاحة.

كما تشغل شركة "واشنطن فلاير" حافلات مشتركة ما بين مطار دالاس والعاصمة بما يقرب من 15 دولاراً للشخص الواحد.

الأمور المالية

لعل العاصمة "واشنطن دي سي" (وسط شرقي البلاد) ليست واحدة من الولايات الخمسين في أمريكا، (فهي تختلف عن ولاية "واشنطن" الواقعة في أقصى الشمال الغربي للبلاد). لكن لا تزال العملة الخضراء هي العملة القانونية المتداولة فيها. في نهاية المطاف، تجري هنا طباعة الدولارات على الورق.

وإذا لم يكن معك نقد كافٍ، فإن أكثر المحال التجارية تقبل الدفع ببطاقات الائتمان المتنوعة. أما ماكينات الصرف الآلية، ومكاتب الصرافة، فهناك وفرة منها في مركز المدينة.

المعرفة الثقافية والعادات

تعد واشنطن دي سي واحدة من أكثر المدن تنوعاً في بلد متنوع في الأساس منذ القدم. يعتقد نِك نابورس، رئيس "جمعية بالتيمور واشنطن للرحلات التجارية"، أن خليطها العرقي النابض بالحياة من الأسباب التي تدفع أصحاب الأعمال المحليين للترحيب بحفاوة بالزوار الأجانب.

ويوضح قائلاً: "تعوّدت واشنطن دي سي على استضافة وإيواء ضيوفها من أنحاء العالم، لذا فإن سكانها على دراية جيدة بالثقافات والعادات الممتدة من فرنسا إلى الصين."

مصدر الصورة Willard InterContinental

مع ذلك، فعلى الزوار الأجانب أن يتهيأوا ليجدوا عاصمة ذات حركة سريعة. يتذكر "نابورس" قائلاً: "انتقلت إلى هنا قبل عدة سنوات من سان دييغو (في كاليفورنيا). مررت بحال صعبة، كصدمة ثقافية كبرى. المال والأعمال هما أهم شيء هنا في واشنطن دي سي. النشاط يدب في كل شيء. كل الأمور تجري بسرعة كبيرة، ولا تكفّ عن التوقف."

الفنادق

تعد مؤسسة "ذا ويلارد" تحفة فنية من نمط الفنون الجميلة. إنها من مؤسسات العاصمة التي يعود تاريخها لأكثر من قرن من الزمن – مع أنها حصلت على قسطها من أعمال الترميم والتجديد على مرّ السنين.

وتعد أيضا من معالم "شارع بنسلفانيا"، وقد أصبحت الآن "فندق انتركونتينيتال التاريخي" مع وجود مركز للياقة البدنية، ومنتجع "إليزابيث آردن" للاستجمام، و "بار روبن وسكوتش المستدير" الأسطوري؛ حيث يلتقى سياسيو العاصمة ونخبتها الاجتماعية منذ أيام "أبراهام لنكولن".

كما تشمل التسهيلات المتوفرة على مدار الساعة في مركز المال والأعمال هناك، خدمات تصوير المستندات، وخدمات السكرتارية، والبريد السريع.

إذا كان هناك أمر مشترك بين فنادق العاصمة فهو ولعها بالتفاخر بفندق "آكا وايت هاوس"، الذي تم تجديده مؤخراً، والذي يتبنى نهجا يتحاشى تلك النزعة ويتبع الحد الأدنى من التصاميم الفاخرة.

تم تجهيز الغرف السكنية بشكل كامل يأخذ في الاعتبار راحة مسافري رجال المال والأعمال. تشمل وسائل الراحة المتوفرة في ذلك المبنى مركزاً للياقة البدنية من أحدث الطرز، ومركز خدمات مجانية لأصحاب الأعمال، وحانة، وشرفة على السطح تطل على كامل المدينة للتمتع بالمناظر الخلابة.

وجبة لشخص واحد

أقدم مطعم وحانة في واشنطن دي سي هو مطعم "أولد إيبيت غريل"، الواقع على بعد خطوات فقط من "البيت الأبيض". شهد المطعم فضائح سياسية لا تعد ولا تحصى، وحفلات تعج بالنجوم والمشاهير على مرّ السنين.

تشمل قائمة الوجبات العملاقة كل شيء تقريباً من أنواع الحساء، والسلطة الخضروات، إلى سمك السلمون، وشرائح اللحم، وأكبر تشكيلة من المحار في العاصمة.

وإليك هذه الملاحظة المهمة: يمكنك أن تحصل على جميع أنواع المحار بنصف السعر طيلة أيام الأسبوع ما بين الساعة الثالثة عصراً والسادسة مساءً، وبين الحادية عشرة ليلاً وحتى الواحدة بعد منتصف الليل. ليس هذا سراً؛ اتصل لتحجز مكانك، أو عليك أن تصل مبكراً لتحصل على طاولتك.

أحدث الإضافات التي طرأت على مشهد العاصمة هو حانة "بيرتش آند بارلي"؛ الذي يعد أفضل مكان لمحبي شرب الجعة. وجدت هذه الحانة زاوية لها في حي "لوغان سيركل" المتجدد ليلائم ذوق أفراد الطبقة الوسطى. و

تشمل قائمة الطعام الليلية (60 دولاراً) سلسلة من الأكلات المنوعة المكونة من ستة أطباق لتصاحب أنواعا عديدة لا تضاهى من الجعة المصنوعة بمهارة والتي تبلغ 550 نوعاً.

بعد ساعات العمل

مصدر الصورة Mark Johanson

"ذا ناشنال مولّ" هو المتنزه الوطني الذي اجتمع فيه المواطنون جيلاً بعد آخر للترويج لأفكارهم ولتعبئه الآخرين لتأييدها، وكذلك للتأمل والتعرف أكثر على الفنون والعلوم الإنسانية وباقي فروع العلم.

إنه متنزه مترامي الأطراف يحوي متاحف "مؤسسة سميثسونيان"، حيث يمكن دخولها مجاناً. ومن خلال مجموعة المتاحف تلك التي تبلغ 17 متحفاً، يمكنك أن تشاهد الكثير– ابتداءً من الفنون الأمريكية، إلى استكشاف الفضاء، ومروراً بالتاريخ الطبيعي.

كما تستطيع أيضاً أن تأخذ جولة حول متنزه "ناشيونال مول" الوطني، وصولا إلى معالم واشنطن دي سي الرئيسية، حيث يوجد ناحية الشرق المقر الرئيسي لكونغرس الولايات المتحدة الأمريكية "مبنى الكابيتول"، وكذلك المحكمة العليا.

أما نصب لنكولن التذكاري، وعدة نُصب تذكارية عسكرية أخرى فتقع ناحية الغرب.

ويقع البيت الأبيض إلى الشمال، بينما ستجد النصب التذكاري لكل من "توماس جيفرسن" و "فرانكلين د. روزفلت" و "مارتن لوثر كنغ جونيور" إلى الجنوب (بامتداد حوض "تايدل باسن").

أما أطول مسلّة في العالم، وأعلى بناء مشيد في العاصمة دي سي، فهو "نُصب واشنطن" التذكاري الذي يعلو فوق جميع تلك المباني ويقع في قلب المتنزه.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة