طرق بارعة لتجنب تسريح الموظفين عند خفض النفقات

مصدر الصورة Thinkstock

دُعى دينيس هاس، رئيس إحدى الجمعيات الخيرية، في عام 2008، إلى أحد الاجتماعات العملية التي يخشاها جميع المديرين، وهي التي تتناول تخفيض النفقات.

وكان قرار الحكومة بتقليص الميزانيات يعني أن الجمعية الخيرية التي يديرها هاس في فلوريدا بالولايات المتحدة ستواجه خفضاً في ميزانيتها بقيمة 634 ألف دولار، أي 6 في المئة من الميزانية للسنة القادمة.

لكن هاس حضر ذلك الاجتماع وهو يحمل في جعبته استراتيجية بسيطة.

قال هاس: "عرفت أنني أحتاج إلى أن أكون صادقاً، وأن أتجنب الغموض والضبابية. لم يكن هناك مجال للكلام المعسول. كل واحد، أولاً وقبل كل شيء، كان يتساءل إن كان عليه أن يبدأ في البحث عن عمل جديد. وإذا انتشرت الشائعات، فسوف تشهد المؤسسة هجرة جماعية للموظفين".

وأخبر هاس الحاضرين في الاجتماع بأن تخفيض الميزانية في مؤسسة "إيه آر سي برودواي" التي يديرها، وهي جمعية خيرية لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، لن يمثل سياسة عمياء تستهدف الموظفين كافة.

لكنه بدلاً من ذلك أوضح أنه سيكون أكثر دقة في اختيار أبواب تقليص النفقات. فقرر تأخير أعمال الصيانة، وتجميد المشتريات من المواد المكتبية، والبحث عن جوانب للتوفير، من قبيل إطفاء الأنوار، ووقف استعمال السيارات التابعة للشركة، إلا في حالة الضرورة.

وقال هاس: "كنا نتبع نهجا استراتيجيا، ونجحنا في التغلب على تلك العقبة".

وما تعلمه هاس كان مهارة يحتاجها جميع المديرين في لحظة من اللحظات، رغم أنها تبدو غير محببة: لقد تعلم كيف يخفض ميزانية مؤسسته.

ولم يناقش هذا الدرس كثيراً في كليات إدارة الأعمال، حيث ينبغي أن يتعلمه المديرون أثناء فترات الركود.

وتقول لينيت مكنتاير، زميلة في كلية بابسون في ماساشوسيتس، إن هناك - لحسن الحظ - طرقا لجعل الأمور أيسر.

وتعرضت مكنتاير - عندما كانت مديرة لشؤون العاملين في شركة الطرود "يو بي إس" - لطفرات من النمو والتراجع في الميزانيات. ومع مرور الوقت، تعلمت أن هناك طرقاً ذكية لخفض النفقات.

وتقول: "في أي وقت تتحمل فيه مسؤولية مالية، هناك مجال لتكون مبدعاً. عندما تعطى لك ميزانية، فكر في تغيير الطرق التي تصرف بها هذه الميزانية".

لا تكن بطلاً

وتحذر مكنتاير المديرين من محاولة الظهور كأبطال. فإذا طلب منك أن تخفض النفقات بنسبة 20 في المئة نتيجة خسارة الشركة لأحد العملاء مثلا، فلا تعتقد بأنك إذا خفضتها بنسبة 25 في المئة فستكون أفضل في نظر القائمين على المؤسسة.

مصدر الصورة Thinkstock

إذ إنه من المستبعد، حسب مكنتاير، أن تقدر الإدارة العليا هذه التضحية، بل ستقوم بمنحك ميزانية أقل في السنة القادمة.

ومن الجوهري كذلك أن تفهم الغاية من خفض النفقات. فلعلها كانت علاجاً مؤقتاً لتقلبات السوق. وإذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة لإعفاء الموظفين الذين ستضطر لتوظيف غيرهم في وقت لاحق.

وربما كان السبب هو خسارة الشركة لعقد كبير لا يمكن تعويضه، وفي هذه الحالة يجب عليك تهيئة القسم الذي تديره لخسارة طويلة الأمد.

وتقول مكنتاير إنه مهما كان الدافع وراء خفض النفقات، فيجب أن يكون إعفاء الموظفين من وظائفهم آخر الحلول التي يلتجأ إليها.

إذ إن ذلك لن يؤثر فقط في معنويات الموظفين، بل سيؤدي أيضا إلى الحاجة إلى تدريب موظفين جدد، عندما تتحسن الأوضاع المالية، وقد يكون هذا مكلفاً، فضلاً عن أنه يعد عملية بطيئة.

ويجب أحيانا إبقاء بعض النفقات الصغيرة إن أمكن. إذ إن كثيرا من الشركات ينتهي بها الأمر إلى وقف بعض النفقات، مثل توفير القهوة المجانية للموظفين، أو قوالب الحلوى التي تشترى للاحتفال بمناسبات مهمة في الشركة.

بيد أن هذه النفقات البسيطة هي التي تحافظ على سعادة الموظفين وولائهم للمؤسسة. وعندما تفقد ولاء الموظفين، فإنك تجازف بخسارة أفضل ما لديك من مواهب.

وتقول مكنتاير: "الولاء يتلاشى إن لم ينظر موظفوك إليك كجزء من فريق العمل، أو إن أدركوا أن الشركة غير راغبة في الاستثمار فيهم. وبعض الشركات تبدأ بوقف الاحتفال بأعياد ميلاد موظفيها كوسيلة لخفض النفقات، لكن على المديرين الإبقاء على مثل هذه النفقات الصغيرة".

النفقات الخفية

ولكن - بدلا من ذلك - فتش عن النفقات الخفية، كما تقول مكنتاير، وتضرب لذلك أمثلة منها: ابحث إمكانية إعادة التفاوض، أو البحث عن عقود أفضل لبعض الخدمات، مثل الشحن، وإرسال الطرود. وقم بمراجعة العقود مع شركات التوريد لترى إن كان هناك مجال للتقليل من المبالغ التي يتقاضونها لقاء تلك العقود.

مصدر الصورة Thinkstock

ويمكنك أيضا أن تراجع تقييم المشاريع الموروثة، وهي تلك الأشياء الموجودة في الميزانية والتي لا يسأل أحد - ببساطة - عن سبب وجودها.

وأخيراً، فتش عن وسائل للعمل ضمن ما هو متوفر لديك. فإن كنت تعمل في شركة كبيرة - على سبيل المثال - فاجتهد في الاستفادة من بنية هذه الشركة في إنقاذ القسم الذي تديره.

كما يمكنك أن تضع بعض الأعمال تحت بند "مشروع تجريبي"، وقم باستعارة موظفين من أقسام أخرى للعمل معك، أو قم بتغيير توقيت مشروع معين حتى يحال إلى ميزانية قسم آخر إن أمكن.

أما بالنسبة للسيد هاس، فقد نجحت استراتيجيته في التغلب على التخفيضات في ميزانية مؤسسته غير الرابحة بنسبة 6 في المئة، ونجحت أيضا في تجنب تخفيض ميزانية العام التالي.

وقد زادت، في الحقيقة، ميزانية مؤسسته من 10.4 ملايين دولار في السنة السابقة إلى 11.8 مليون دولار في السنة التي تلتها.

ومع ذلك، غيرت هذه الأوقات الصعبة الطريقة التي يفكر بها هاس في وضع الميزانية لمؤسسته حتى مع خبرته الطويلة كرئيس ومدير تنفيذي لها على مدى 18 عاماً.

ومنذ ذلك الوقت، أضاف العديد من الخدمات التي تساعد ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعود أيضاً بالربح على المؤسسة، بما في ذلك برنامج إعادة تدوير للأجهزة الإلكترونية، ومدرسة للطهي تعمل كمؤسسة لإعداد الطعام يمكن استئجارها.

ويقول هاس: "كانت تلك الأوقات الصعبة مرعبة، لكنك تحتاجها أحياناً لتكتشف حاجتك إلى التفكير بطريقة مختلفة".

ولا شك أن جميع المديرين لا يرغبون أبداً في تخفيض النفقات. لكن عندما تكون هناك حاجة إلى تخفيض الميزانية، فإن أولئك الذين يجرون تلك العملية ببراعة وذكاء، هم من سيحظون بوضع مميز عندما يطرأ على الاقتصاد تحسن ملحوظ.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة