هل ستعمل حتى سن المائة؟

مصدر الصورة Matt OConnor
Image caption هاوارد فريدريك (65 عاماً) مع زوجته هنا (67 عاماً) في شركة مامور تشوكليتس هاي تي صالون

على مدى ستة أيام من كل أسبوع ظلت "فاي مورلي" تعمل في متجرها الصغير لبيع أشياء مختلفة من الأزرار والسحابات وغيرها من الخردوات حتى اليوم الذي سبق وفاتها. كان ذلك تماماً بعد أسبوعين من بلوغها سن المائة في أغسطس/آب عام 2013.

كان متجر "مورلي" يقع في ضاحية ساحلية من مدينة سيدني الأسترالية. اختارت "مورلي" العمل في متجرها لأنه كان مصدر سعادة بالنسبة لها "فالذهاب إلى مكان العمل كل يوم كان بمثابة نوع من العلاج بالنسبة لي"، حسبما قالت المرأة المسنة لصحيفة "ديلي تليغراف" الأسترالية ذلك العام.

ربما يعمل عدد متزايد من الأستراليين لفترات أطول من غيرهم في مناطق أخرى من العالم.

يمكن للأستراليين أن يستمروا في العمل إلى ما بعد سن التقاعد المحدد بسنّ 65 عاما.

ومع ذلك، فالتشريع الذي أقر في مايو/أيار عام 2014 يرفع سن التقاعد، بشكل تدريجي، ليصل إلى 70 عاما بحلول عام 2035. وهذا يعني أن الأستراليين الذين ولدوا بعد عام 1965 لن يكون بإمكانهم الحصول على رواتبهم التقاعدية قبل سن الـ70. ولذلك فإنهم سيكونون أكبر الناس سنا في الحصول على مستحقات التقاعد، إذا قدر لهم الحصول عليها، ولم تجر تعديلات جديدة.

وقال أنتوني رودويل-بول المدير التنفيذي لمؤسسة "إن جي إس سوبر" إن "استحقاق سن التقاعد في أستراليا يستند إلى الموارد، فلن يحصل الجميع في سن التقاعد على الفور على هذه المستحقات، أو ربما لن يحصلوا عليها مطلقا."

ويعود السبب في تأخر سن التقاعد، جزئياً، إلى نظام الرعاية الصحية المتّبع الذي يعدّ من بين الأفضل في العالم وكذلك الانخفاض السريع في أعداد المدخنين. كما أن الأستراليين يعمّرون أكثر، حسبما يرى مارك ماك-كريندل، مؤسس شركة "ماك-كريندل للأبحاث".

ومن المتوقع أن يعمّر الذكور الذين ولدوا بين عامي 2010 و2012 حتى سن 80 عاماً، بينما يتوقع أن تعيش الإناث حتى سن 84 عاما، وفقا لمكتب الإحصاء الأسترالي.

مصدر الصورة Merino Country
Image caption تقول كيري ريتشاردز (45 عاما) من شركة "ميرينو كنتري" إنها تقدّر وتثمن العاملين من كبار السن

ونستخلص مما سبق أن الكثير من الأستراليين يعملون حتى سن متقدمة، وأدى ذلك إلى زيادة المشروعات والشركات التي أنشأها عاملون أكبر سناً، كما أدى أيضا إلى زيادة في برامج التدريب التي تهدف إلى الإبقاء على المعمرين في العمل، وحوافز حكومية لتشغيل العمال كبار السن.

شغفٌ بالعمل

بالطبع يخطط بعض الناس للعمل لفترات أطول لأسباب أخرى. وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في عام 2010، فإن أكثر من نصف العاملين الأمريكيين بين سن 58 و64 عاما يتوقعون أن يستمروا في العمل بعد تجاوزهم سن 65 عاماً، مشيرين إلى الحاجة لتوفير المزيد من المال أو تحقيق الذات في العمل أو التفاعل الاجتماعي.

انتقل هاوارد فريدريك، البالغ من العمر 65 عاماً، مع زوجته "هنا"، البالغة من العمر 67 عاماً، إلى ملبورن من نيوزيلندا في عام 2010 لتوسيع نشاط شركتهما التي تحمل اسم "مامور تشوكليتس هاي تي صالون".

يقول فريدريك "انتقلنا أولاً من ألمانيا إلى نيوزيلندا عام 2003 وأسسنا "مامور"، وعندما أردنا توسيع العمل انتقلنا إلى ملبورن عام 2010. من الجدير بالذكر أن كتابه المعنون "الممارسة العملية لنظرية ريادة الأعمال" سيُنشر في شهر سبتمبر/أيلول القادم، والذي يركز فيه على تأسيس المشروعات والشركات لكبار السن.

ويضيف قائلاً "اكتشفت زوجتي "هنا" شغفها بالعمل في أواخر العمر وكانت محظوظة بما يكفي لتجد وظيفة في التدريس على الفور كأستاذة فخرية لتدريس ريادة الأعمال بجامعة "ديكان" في مدينة ملبورن. أصبح الآن سن الستين هو بداية لأربعين عاما جديدة من وجهة نظرها.

يعمل ستيف شيبرد كمحلل لسوق العمالة في شركة "راندستاد" المتخصصة في الموارد البشرية والتوظيف. ويرى "شيبرد" أن التوقعات بأن يعمل الناس في أستراليا حتى سن متأخرة من العمر هو أمر إيجابي.

ويقول "شيبرد"، الذي يقيم في ملبورن "مفهوم التوقف عن مواصلة مسيرتك المهنية عند الوصول إلى سن معينة لا يكون ذا مغزى لدى البعض. يعتقد الكثيرون ممن تقاعدوا بأنه لايزال لديهم الكثير لكي يقدموه، ويمكن للمشاريع والشركات أن تستفيد من الاستعانة بخدمات أصحاب الخبرات الكبيرة، وفي نفس الوقت تفتح مجالاً أكثر تنوعاً في موقع العمل."

تصورات متغيرة

وبحسب رأي الخبراء، فإن تحسين المهارات وتعلّم مهارات جديدة هو أمر ضروري لبعض كبار السن الأستراليين للاحتفاظ بوظيفة فعالة داخل الشركات والمؤسسات.

وقال جون لانغ الرئيس التنفيذي لمنظمة "أبسكلد"، وهي واحدة من المنظمات الأسترالية الرائدة في مجال التدريب، إن "الحفاظ على مهارات ملائمة يمثل أهمية حاسمة بالنسبة للعاملين كبار السن الذين وصلوا لمرحلة النضج. ويضمن التدريب توفير القدرات اللازمة للعاملين للاحتفاظ بالوظائف، لكنه في نفس الوقت يسهل على كبار السن مواكبة التطورات السريعة في مجالات أعمالهم".

وهناك مجالات عديدة تظهر فيها نسبة عالية من فرص التدريب على المهارات لمن هم في سن الـ45 أو أكثر، وتشمل هذه المجالات الثقافة والمجتمع (19.3%)، الزراعة والبيئة والدراسات المتعلقة بهما (15.4%) والصحة (15.2%).

مصدر الصورة Merino Country
Image caption كيم كيتشنر، 53 عاما، أحد المشرفين في شركة ميرينو كنتري

وبالطبع، لا يحتاج كل شخص من كبار السن للتدريب لكي ينجح في أداء عمله. ففي بعض الحالات، تقف بعض الأفكار الجامدة عائقا أمام إجراءات التوظيف.

في عام 2013، توصلت لجنة حقوق الإنسان الأسترالية إلى أن واحدة من بين كل عشر شركات استطلع رأيها حددت سقفا سنيا للأشخاص الذين ستوظفهم.

ولدى كبار السن من العاملين الخبرة والمعرفة التي تمكنهم من أن يعملوا كمشرفين على العاملين الأصغر سناً. ومع ارتفاع معدلات كبار السن في أستراليا، فإن وظائف مثل خدمة العملاء ستجعلهم قادرين على التواصل مع عدد كبير من قاعدة العملاء وتلبية احتياجاتهم.

وتشير التوقعات إلى أن عدد الأشخاص بين سن 65 و 84 عاما سيزيد عن الضعف في أستراليا بحلول عام 2050، بحسب لانغ.

وفي إطار التحضيرات للتعامل مع شعب معمّر، أنجزت الحكومة الأسترالية عدداً من البرامج لمساعدة الشركات والأفراد على حد سواء لمواجهة هذه النقلة النوعية، من بينها برنامج للتوظيف يحمل اسم "الخدمة الفضية" بمبلغ 26 مليون دولار أسترالي (20.3 مليون دولار أمريكي). ويقوم هذا البرنامج بتزويد أرباب العمل بحوافز مالية عند تشغيل عاملين من كبار السن.

وقالت "كيري ريتشاردز" (45 عاما) من شركة "ميرينو كنتري"، ومقرها في بريسبان، والمتخصصة في صناعة أقمشة وملابس من صوف المارينوس، إنها تقدّر العاملين من كبار السن، مشيرة إلى أن متوسط أعمار العاملين لديها هو 60 عاما. وأضافت مازحة "أنا وزوجي في الأربعينات من عمرنا، ونحن الشباب."

وتحرص شركة "مارينو كنتري" على الاستعانة بكبار السن من العاملين بسبب خبراتهم والتزامهم بالعمل، فالكثير من العاملين في صناعة وتجارة المنسوجات بدأوا عملهم في هذا المجال من سن المراهقة، نظرا لأنهم مخلصون في عملهم وحريصون على مواعيدهم وجديرون بالثقة، بحسب ريتشاردز.

وتضيف "على الرغم من توفير الحكومة حوافز مالية لأرباب العمل من أمثالنا، فإننا نوظف العاملين من كبار السن على أية حال وفي أي وقت كان."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة