هل تحول صفاتك الشخصية دون تقدمك في عملك؟

مصدر الصورة Thinkstock

لا داعي أن يتقدم الأشخاص الانطوائيون بطلبات عمل للالتحاق بشركة "لوريال"، عملاق أدوات التجميل الفرنسي. وإذا تقدموا بطلبات عمل بالفعل، فربما لن يقع عليهم الاختيار، وحتى إن تمكنوا بشكل ما من الحصول على وظيفة هناك، فمن غير المحتمل أن يكون لهم مستقبل بالشركة.

هذا ملمح واحد فقط من الخصائص الشخصية العديدة التي تأخذها الشركة في الاعتبار عندما تطلب موظفين مناسبين لطبيعة عمل الشركة وثقافتها.

فشركة لوريال تفضل الموظفين الواثقين من أنفسهم، والمنفتحين على الحياة، وكما تقول فريديريك سكافينيك، نائبة رئيس قسم توظيف الكفاءات الموهوبة بالشركة: "نعتقد أن الأفكار تأتي نتيجة المواجهة – فنحن دائما نتحداك ونريدك أن تدافع عن وجهة نظرك، وعليك أن تتمتع كذلك بالحماس للعمل، وروح المغامرة، والقدرة على التواصل مع الآخرين، وبدون ذلك ستكون في حكم الميت، ولا حياة لك في لوريال".

يقوم نموذج لوريال على أساس شخصيات المترشحين للوظائف، ومن ذلك على سبيل المثال، أنها قد تخضع المتقدمين للوظائف إلى اختبار على منتج أو إعلان معين، مما يتيح للشركة تقييم القدرة على الإبداع ومهارات السرد القصصي لدى المتقدمين للوظائف.

وللعثور على طلاب جامعيين يجمعون بين الإبداع وروح التعاون، تعقد الشركة أيضا مسابقة سنوية لتقديم أفكار تتعلق بالمنتج الذي تريد الشركة ترويجه. وتشمل تلك المسابقة تحديا بين الفرق الجامعية للعمل معاً لوضع خطط تسويق لأحد منجاتها.

وجدير بالذكر هنا أن المزيد من الشركات تتبع نموذج لوريال في محاولة لضمان أن من توظفهم يناسبون تماما طبيعة عمل الشركة ومنتجاتها.

وتأمل هذه الشركات التأكد من وجود صفات معينة مثل الصبر، والمثابرة، وحب الاستطلاع، واليقظة، وحب المخاطرة، وذلك بإخضاع المترشحين للوظائف إلى اخنبارات الشخصية، ولسلسلة من المقابلات المتعلقة بالسلوكيات.

ويلاحظ بعض أرباب الأعمال بعض الامكانيات لدى المترشحين من خلال مواقف يتعين عليهم فيها التفاعل مع عمال آخرين. بل إن هناك ألعاباً على الإنترنت تستطيع من خلالها تقييم كل شيء؛ بدءاً من القدرة على الخلق والإبداع، حتى التقمص العاطفي للأدوار.

مصدر الصورة Thinkstock

ولا تزال الخبرة في العمل تتقدم على غيرها من المؤهلات المطلوبة في عملية التوظيف، لكن طبيعة الشخصية، والمواءمة مع ثقافة الشركة تأتي قبل عوامل أخرى مثل الخبرة في القدرة على القيادة، بحسب استطلاع أجري عام 2014 على أكثر من 2,300 من كبار المديرين التنفيذيين، ومديري الموارد البشرية ومسؤولين تنفيذيين في 18 دولة.

وتبين من الدراسة التي أجرتها مجموعة شركات "يونفيرسم"، وهي شركة استشارية في مجال العلامات التجارية المميزة، أن حوالي نصف المشاركين في الاستطلاع يعتبرون الجوانب المتعلقة بالشخصية واحدة من أهم الاعتبارات التي تؤخذ في الاعتبار عند التوظيف، وأن 40 في المئة منهم أعطوا الأولوية للمواءمة مع طبيعة عمل الشركات وثقافتها، وأن 16 في المئة فقط أعطوا أهمية للجامعة التي درس بها المتقدم للوظيفة.

وفي هذه الدراسة أيضاً، ذكر 44 في المئة من الذين أجري عليهم المسح أنهم يستخدمون ما تصفه شركة يونفيرسم بالتوظيف القائم على الجوانب الشخصية، وذكر 69 في المئة أنهم سيفعلون ذلك في المستقبل.

الاختيار المأساوي

إن وقوع الاختيار على الشخصية الخطأ أمر مكلف بالنسبة للموظف ورب العمل على حد سواء، فالموظف سيصبح عاطلا عن العمل، وصاحب العمل سيكون قد خسر آلاف الدولارات على التعيين والتدريب.

تقول سكافينيك: "لا أريد أناساً يتركون العمل بعد ستة أشهر، ولذلك أبدأ كل المقابلات الشخصية بأن أطلب منهم أن يكونوا شفافين وصرحاء معي، ولا داعي للتمثيل والمراوغة. أريد أن أعرف ما الذي يجعلهم سعداء أو غير سعداء، وكيف تكون ردود فعلهم تجاه الأحداث، وأقول لهم إذا كذبتم علي وتزوجنا على باطل فسيقع الطلاق لا محالة".

مصدر الصورة Thinkstock

ويستخدم بعض أرباب الأعمال أسلوب تحليل البيانات لتحديد السمات والمواصفات الشخصية المشتركة لدى الأشخاص الأعلى أداءاً. وتفكر شركة لوريال في مشروع لخلق نماذج لأنواع الشخصيات التي بوسعها أن تعمل على إنجاح أي شركة.

لكن كما تقول سكافينيك: "هذا أمر بالغ التعقيد، ولا نريد أن نتجه إلى استنساخ الموظفين".

أما شركة "غرانت ثورنتون" في بريطانيا فقد أجرت نوعاً مختلفاً من التحليل، واكتشفت أن الدرجات العلمية الأكاديمية لا تتسق بشكل قوي مع الأداء، وهذه النتائج شجعت الشركة على إلقاء نظرة أكثر شمولية على المتقدمين للوظائف، خاصة مواصفات الشخصية لديهم، والقيم والإمكانات الكامنة فيهم.

وتقول هيلين بولدوين، مديرة تعيين الطلبة بشركة غرانت ثورنتون: "لقد كانت خطوة جريئة في مجال عملنا، ولكننا قررنا ألا تكون الدرجات العلمية هي كل شيء، وأعدنا تأطير عملية الاختيار لتدور حول القيم والسلوكيات لنعرف تماما ما الذي يجعل الطلبة يبرزون قدراتهم".

الآن يقوم مديرو التعيين بملاحظة الطلبة وهم يقومون بتدريبات جماعية ويطرحون أسئلة في المقابلات تتعلق بالأمور السلوكية، وهنا تقول بولدوين: "قد نسأل الطلبة عن كيفية اقتناص فرصة ما، وكيف تصرفوا إزاءها.

إننا نريد أن نعرف كيف يتفاعلون مع الآخرين، وكيف يقيمون علاقات، وقدر الفضول وحب الاستطلاع لديهم".

وبهذا لا تعين تلك الشركة أشخاصاً أفضل فحسب، بل تزيد من التنوع الاجتماعي الاقتصادي في القوة العاملة لديها. ولم يكن نحو 20 في المئة من المتدربين الجدد عام 2015 ليتقدموا بطلبات تعيين في السنوات السابقة لأنهم لم يكونوا يستوفون المعايير الأكاديمية التي كانت تطلبها الشركة على حد تعبير بولدوين.

المطابقة

وبطبيعة الحال، ليس من السهل تقييم الجوانب الشخصية وتحديد الأشخاص الملائمين لطبيعة عمل الشركات وبيئتها أثناء فترة التعيين البسيطة، ولذلك حددت شركة طيران الاتحاد في أبوظبي برنامجاً أكثر دقة وشمولية في مسعى لمطابقة الشخص المناسب للوظيفة المناسبة، وتحييد غير المناسبين لأي وظيفة بالشركة.

مصدر الصورة Thinkstock

وعندما حاولت شركة الطيران ذات النمو السريع تعيين المزيد من أبناء الإمارات، وجدت أن الكثيرين من المتقدمين يرفضون التعيين لديها لأنها كانت تركز أساساً على المهارات والخبرات التقنية .

أما الأن، فتحاول الشركة تحديد ملامح الشخصية بالنسبة للمتقدمين ومدى ملائمتهم لوظائف معينة من خلال عملية تستغرق أربعة أشهر فيما تسمية الشركة "مركز الاستكشاف".

في البداية تقوم الشركة بتحديد متطلبات العمل المتوفر، ثم تضع المتقدمين في عملية استكشاف للذات. ومن ذلك، على سبيل المثال، تطلب من المتقدمين رسم صورة لأنفسهم يبرزون فيها أهم الملامح التي تنطوي عليها شخصيتهم.

وقد رسمت إحدى النساء نفسها كصندوق نفائس، أو خزينة لتبين كم من الأصدقاء وأفراد العائلة يثمنونها ويسعون إلى التماس النصح منها.

وهنا يقول وسام هاشم، نائب رئيس قسم التعليم والتطوير بالشركة: "يبدأ الناس في الحديث بحرية عن أنفسهم أمام الآخرين، بينما كانوا في الماضي يتحفظون في إجاباتهم عن أسئلتنا أثناء المقابلة الشخصية. والناس في هذه الثقافة لا يحبون التفاخر بأنفسهم أو استعراض قدراتهم".

وبعد تلقيهم عروض عمل مؤقتة، يشارك المرشحون في برنامج تعليمي لمدة ثلاثة أشهر لكي يتعرفوا على الشركة بشكل أفضل، وعلى صناعة الطيران، ولكي يبنوا مهاراتهم.

ويخضعون كذلك لتقييمات تتعلق بالشخصية والمهارات، ويكملون مشروعا جماعياً لمدة شهر قبل أن يتلقوا تأكيداً نهائياً بحصولهم على الوظيفة الدائمة مع شركة طيران الاتحاد، وقبل أن يوضعوا في المكان المؤهلين له في نهاية المطاف.

وهكذا مر نحو أربعين شخصاً بمركز الاستكشاف ذلك، مع تغيير بعضهم لمسارات عملهم بعد العملية التي تستغرق أربعة أشهر لكنهم ظلوا جميعاً داخل شركة الطيران.

وهنا يقول وسام هاشم: "نحن ننمو بسرعة، وطورنا ثقافة 'بوسعي أن أفعل هذا'، ولذلك نحن نبحث عن أشخاص واعين ويستطيعون العمل بكفاءة تحت الضغط بالنظر إلى أننا نتغير باستمرار".

ويمضي قائلاً: "نحن أيضاً نريد أشخاصاً إيجابيين واجتماعيين ويتفاعلون بشكل جيد على المستويين الداخلي والخارجي. ونريد أن نتأكد قدر الإمكان أنهم مناسبون للبيئة الديناميكية المتحركة التي نعمل في إطارها، حيث يقوم كل شيء على السلوك الناجح".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة