هل زميلك في العمل شر مطلق؟

مصدر الصورة THINKSTOCK
Image caption خبراء يرون أن السلوك العدائي ينبع من ألمٍ تشكل أثناء الطفولة، عندما كان الشخص منقطعاً عن مشاعره أو كان عرضة للتهكم وإنكار المشاعر

تعطيلك عن عملك.. التزام الصمت في المعاملة.. الخداع. هل زميلك في العمل شرير فقط أم هناك ما هو أكثر من ذلك؟

تخيل سيناريوهات العمل الثلاثة التالية في مؤسستك: • تسأل زميلتك عن الوثائق المطلوبة لنقل أحد المشروعات إلى المرحلة التالية، ولا تحصل على جواب. • توجه لنفس الزميلة بعد ذلك سؤالاً أمام ماكينة التصوير الضوئي، فتتظاهر بأنها لم تسمعك. • في أحد الاجتماعات، تمزح هذه الزميلة بشأن أمور حساسة أمام الآخرين لكي تحرجك.

من المحتمل أنك تواجه سلوكاً سلبياً-عدوانياً، حيث يحاول شخص ما أن يتصرف ظاهرياً بشكل لائق، ولكنه يضمر لك سلوكاً سلبياً بقصد إعاقتك عن العمل، حسبما يرى "بريستون ني"، البروفيسور في الاتصالات ومؤلف كتاب "كيف تتعامل بنجاح مع الأشخاص السلبيين-العدائيين".

يشير بريستون ني إلى مثل شعبي صيني يختصر المسألة تماما "توجد خلف الابتسامة سكين خفية".

أكثر مما يبدو للعيان

مثل أي شيء آخر، تختلف حدة السلوك من شخص الى آخر. ويقول ني "معظمنا ينخرط في سلوك سلبي-عدواني بدرجة معتدلة من حين لآخر. إذا دخلت في جدل مع صديقة لي ولم اتصل بها على الفور، فإن سلوكي لا يكون حينها سلبيا عدوانيا من الناحية المرضية، أما المصابين بحالة التصرف السلبي-العدواني فانهم يميلون الى التصرف بهذا الأسلوب بشكل منتظم، كوسيلة للبقاء وفي علاقاتهم وتفاعلهم مع الآخرين."

في أشد صوره، عندما يصبح السلوك السلبي-العدواني مرضيا في طريقة العمل في الحياة الخاصة أو مكان العمل، يرى ني أنه سلوك ينبع من ألمٍ تشكل خلال الطفولة، عندما كان الشخص منقطعاً عن مشاعره أو كان عرضة للتهكم وإنكار المشاعر. ويقول "في وقت ما، جرى إنكار ونفي إنسانية الشخص."

إذا حدث كبت لهذه المشاعر لسنوات طويلة، فإن هذا الغضب سيتجلى في نهاية المطاف بطريقة غير بناءة، حسبما يرى ني.

يتولد شكل من أشكال غريزة حب البقاء، فالشخص الذي يعاني من السلوك السلبي-العدواني سيصارع ضد الظلم، سواء كان ذلك حقيقة أم... مفترض. في مكان العمل، تصبح إعاقة مشروع ما عن طريق التزام الصمت أو التعامل المحدود، آلية لاحتواء الموقف.

ظلامية التعامل

عندما أرادت مديرة تنفيذية ألمانية في قسم السلع الاستهلاكية أن تتفاوض للحصول على دور أكثر أهمية لها في الشركة، وجدت فجأة أن عدداً من زملائها كانوا مترددين في مواقفهم تجاهها بين الودّية واللامبالاة.

وقالت المديرة البالغة من العمر 35 عاما والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها بسبب حساسية الموقف "بشكل عام، فإننا في إدارتنا نتحدث كثيرا مع بعضنا البعض". لكن بعد ذلك كانت هناك حالة من الغموض.

أرسلت المديرة رسالة بالبريد الإلكتروني لتطمئن على أن الأمور على ما يرام. لكنها لم تتلق أي رد من زملائها على الإطلاق.

وبدلا من أن يخبروها بأن خطوتها تلك غير منصفة أو أن القبول بتلك المسؤوليات دون زيادة في الأجر أو ترقية سيجعل من الصعب على بقية العاملين الحصول على زيادة بعد الترقية، فإنهم تجاهلوها تماما.

وتقول "إنهم لم ينكروا الأمر ولم يؤكدوه أيضا."

ونظراً لارتباكها إزاء الإشارات المتضاربة من زملائها، أدركت المرأة أن أداءها في العمل سيتراجع إن لم تحرك ساكناً. "كان رئيسي في العمل يتوقع رد فعل مني، لذا كان يجب علي أن اضغط على زملائي لكي يتحدثوا إلي حول هذا الموضوع."

ظلت المرأة تحافظ على موقفها المهني واستمرت في المناقشات ذات الصلة بالموضوع. وفي هذه الأثناء، تخلت المرأة عن العلاقة التي كانت أكثر حميمية في محيط العمل. تقول "لست مهتمة باعادة بناء علاقات شخصية مع أناس يمكنهم أن يهملوك بهذا الشكل."

اقلب الطاولة وتعامل بايجابية

بدلا من الانجرار إلى مناوشات مع زملاء ذوي سلوكيات سلبية-عدوانية، تعامل معهم بدماثة خلق.

تقول المسؤولة التنفيذية الألمانية "التعامل الايجابي هو أفضل وسيلة بالنسبة لي حتى لا استنفد المزيد من الطاقة فيما يخص هذا الموضوع."

يستعرض ني خطوطاً عريضة لاستراتيجيات متعددة للتعامل مع أناس ذوي سلوكيات سلبية-عدوانية. تشمل هذه الاستراتيجيات استخدام مهارات اجتماعية مثل المزاح والفكاهة والدردشة لتغيير الموقف برمته.

من بين أمور أخرى، يوصي ني بالردود الظريفة، والتمسك بموقفك، وإذا ما فشلت كل المساعي، فابتعد عن الأشخاص السلبيين العدوانيين. كما ينصح بتوثيق ذلك السلوك السلبي لدى الادارة وقسم الموارد البشرية في شركتك، بما في ذلك أي رسائل بالبريد الإلكتروني كدليل.

ويضيف خبير الاتصالات ني أن جذور السلوك السلبي-العدواني تتمثل في شعور المرء بالعجز. ويقول "بإمكانك أن تشجع (الزميل) على أن يعبر عن رأيه. وفي ذات الوقت، عليه أن يعرض مخاوفه مدعوماً بحقائق وأرقام، دون إصدار أحكام."

رغبة في التسلط

يمكن للشعور الفطري بالضعف والعجز أن يجعل بعض الناس يفرطون في تصحيح أداء الآخرين ليصبح الأمر أشبه بـ"احتجاز رهائن".

إنهم يستخدمون نفوذهم أو مركزهم الوظيفي الحساس في مؤسسة أو شركة ما ليملوا آرائهم على الآخرين، بحسب قول الاستشاري في مجال الإدارة جون تاونسند الذي ألف عددا من الكتب في هذا المجال.

ربما يهدد هذا الشخص بترك العمل أو يضرب عن العمل بشكل فردي وذكي بهدف منع أو عرقلة مجرى العمل، إذا لم يتعاون الآخرون مع أسلوبه في العمل.

وتاونسند طبيب في علم النفس السريري واستشاري في الإدارة وتطوير العمل ومؤلف كتاب "حدود التصرف: متى توافق، وكيف ترفض لتسيطر على حياتك". وعمل لفترة في شركة أمريكية تعاني من انتشار ثقافة الخوف.

كان العاملون يشعرون بعدم وجود مجال للوقوع في أخطاء حتى لا يثيروا غضب أحد موظفي الشركة، الذي كان يوجه انتقادات قوية ويصدر أحكامه عليهم، ولكنه كان في نفس الوقت يتمتع بمكانة كبيرة في الشركة. ويقول تاونسند "كان هذا الموظف من النوع الموبّخ للآخرين. أما الذين يعملون حوله فكانوا حذرين من كل خطوة يخطونها."

عقد تاونسند جلسات إرشادية مع هذا الرجل وعرض عليه ردود أفعال الآخرين تجاهه، والتي نفاها الرجل جملة وتفصيلاً. "قال الرجل ’أنا لا أتبع هذا الأسلوب. إن لي معايير عليا. إنهم لا يقدرون المعايير التي أضعها ولا يريدون أن يعملوا بجدية.‘ ووصف أولئك الذين يشتكون منه بأنهم ’حفنة من المتذمرين‘".

كان الرجل واثقاً جداً بأن الشكاوى لا أساس لها من الصحة حتى أنه وافق على سماع زملائه في اجتماع لفريق العمل يديره تاونسند.

جلس أفراد المجموعة على طاولة الاجتماع وتحدثوا عن تجاربهم مع هذا الرجل. ويقول تاونسند متذكرا هذا الموقف "حتى وصلنا إلى سماع حديث الزميل الرابع، بدت الدموع ظاهرة في عيني الرجل."

في جلسات مناقشة إضافية، اعترف ذلك الشخص بأن والده كان رجلاً حازما كثير الانتقاد، وأنه تعلم كيف يكون سيئا مع الآخرين حتى لا ينال منه والده. شجعه كلام زملائه في فريق العمل ليفكر في سلوكه معهم. يقول تاونسند "خلال 30 يوماً، تخلى الرجل عن أسلوبه المنفر وعادت الأمور إلى طبيعتها."

نداء استغاثة

في حالة أخرى، لاحظ صاحب مصنع أنه يخسر زبائنه. اكتشف تاونسند أن أحد العاملين يعرقل تدفق المعلومات، ويمنع تسليم بيانات المبيعات في وقتها المحدد لإعداد التقارير. كان الرجل يتحجج دوماً بالعديد من الأعذار. "كان طفلي مريضاً، أو لاقيت ازدحاماً بحركة السير أو هناك شخص آخر لا يساعدني في الأمر"، تلك كانت أعذاره.

حينما فشل هذا الرجل في الحصول على ترقيته المرغوبة، بدأ يضر الشركة دون أن يدري. يقول تاونسند "تربى هذا الشخص في عائلة لم يستطع أن يكون فيها صادقاً ويقول الحقيقة، وإلا فإن والدته أو أباه كانا سيغضبان. فتعلم أن يكون شخصاً مراوغا."

وأوضح تاونسد "الرجل كان يخاف من رد فعل الآخرين. كان يخشى أن ينظروا إليه بازدراء أو أن يعاقبوه بطريقة ما."

وكتب تاونسند المحادثات التي جرت معه وأعاد أدائها مع العاملين.

يقول تاونسند "كان يود أن يقول: مهلاً، إنني أواجه صعوبة في هذا الأمر. أريد أن أكلمك. أريد أن أحل هذه المشكلة."

في نهاية المطاف، ظهر مفعول العلاج السحري بامتلاكه الشجاعة الكافية "ليستطيع أن يعبر عن رأيه إن كان مقتنعاً بشيء ما أو يعبر عن رضاه أو غضبه أو سعادته الغامرة."، بحسب تاونسند، الذي اختتم بقوله "عندما أصبح صادقاً وصريحاً، اختفت فجأة جميع أشكال الاحتقان في العمل."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة