ليلة في جزيرة ساحرة خالية من البشر في تايلاند

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption تعد جزيرة "بي بي دون" من أكبر الجزر في ذلك الأرخبيل التايلاندي.

لا يمكن اعتبار جزر "بي بي" التايلاندية أرضا بكرا بأي حال من الأحوال. فذاك الأرخبيل الواقع قبالة ساحل كرابي جنوبي تايلاند يُعرف بأكبر جزيرتين فيه؛ وهما "بي بي دون" و"بي بي لي".

وتشتهر هاتان الجزيرتان، المحبوبتان من قبل الرّحّالة، واللتان تحفل الأدلة السياحية بالإشادة الحماسية بهما، بالشواطئ الرملية، والمياه الدافئة، والصخور الشاهقة شديدة الانحدار التي تتكون من الحجر الجيري.

لكن الأمر لا يخلو من عيب ما، إذ أن آلاف السائحين يجوبون شواطئ الجزيرتين يوميا؛ خاصة خلال فترة الموسم الذي يبلغ ذروته بين شهري نوفمبر/تشرين الثاني، ومارس/آذار من كل عام.

لذا كدت لا أصدق عينيّ حينما أيقظتني الشمس البازغة في الأفق، لأرى أشهر شواطئ "بي بي"، وهو خاوٍ على عروشه تماما.

فبعدما قضيت بضعة أيام على جزيرة "بي بي دون"، الأكبر مساحة من "بي بي لي"، سرعان ما حل بي الإرهاق من التنقل بين ما تضمه الجزيرة من عدد لا يحصى من المنتجعات والمطاعم وأكشاك بيع الهدايا التذكارية، وذلك في ظل تزاحم وتدافع مستمريّن من قبل السائحين الآخرين.

فعندما نما إلى علمي أن ثمة فرصة لقضاء الليل في قارب يرسو على شاطئ جزيرة "بي بي لي" غير المأهولة، لم يكن من العسير أن اقتنع بالإقدام على ذلك.

وتكتسب هذه الجزيرة شهرتها من شاطئ "مايا باي" (خليج مايا)؛ الذي كان بمثابة فردوس شخصي للممثل ليوناردو دي كابريو، في إطار أحداث فيلمه "ذي بيتش" ( الشاطئ) الذي أُنتج عام 2000.

ومنذ بدء عرض هذا العمل، باتت الجزيرة تشكل أحد المقاصد الرئيسية للرحلات النهارية.

وفي كل يوم، تنطلق من شواطئ كرابي وبوكيت و"بي بي دون" العشرات من الزوارق السريعة والعبارات والقوارب التقليدية ذات الذيل الطويل، متوجهة صوب "مايا باي"، وهي مكتظة بالمسافرين المتلهفين لخوض تجربة زيارة تلك الجزيرة البكر الحافلة بمظاهر الطبيعة البرية، التي ظهرت في فيلم دي كابريو.

ومن العسير على المرء في ظل وجود هذه الحشود أن يعتبر "بي بي لي" جنة مقفرة من البشر. ففي خليج "مايا" لم يعد أكبر امتداد للرمال يتجاوز 200 متر عرضاً، ولذا كثيرا ما يتمدد الراغبون في الحصول على حمام شمس على الشاطئ بشكل متقارب جدا.

مصدر الصورة Mark Fischer Maya Bay Boats Flickr CC BY SA 2.0
Image caption لا تزال القوارب التقليدية ذات الذيل الطويل تنقل السياح في جزر تايلاند

وفيما يتعلق بمحبي السباحة والغوص باستخدام أنابيب التنفس السطحي، فيصطدمون ببعضهم البعض، وهم يحاولون السباحة حول القوارب الراسية على شواطئ الخليج.

وباعتبارها منطقة مخصصة لكي تكون متنزها عاما، لا تزال الزيارات التي تقصد خليج مايا وعمليات التطوير والبناء فيه تخضع لسلطة الحكومة التايلاندية، التي بدأت في عام 2012 تطبيق حظر على كل الزيارات الليلية إلى هذه المنطقة.

وفي الوقت الراهن، لا توجد سوى شركة رحلات واحدة، تحمل اسم "مايا باي تورز"، هي التي توفر لعملائها فرصة فريدة لرؤية الجزيرة بعد غروب الشمس؛ في إطار جولة تجري خلال الليل.

وقد كنت محظوظة بما يكفي لكي أسارع بالحصول على مقعد مميز جدا على متن واحدة من تلك الرحلات في ذروة الموسم.

ولدى انطلاق القارب السياحي الذي كنا على متنه من مرسى "بي بي دون"، انتابتني السعادة بعد رؤية عدد محدود من المسافرين لا يتجاوز 30 شخصا، قدموا من مختلف أنحاء العالم.

وبعد رحلة استغرقت 20 دقيقة، وحفلت بالمشاهد الخلابة، وصل القارب إلى مدخل خليج "مايا". وهناك، ألجم مرأى مشهد الرمال ذات اللون الأصفر الشاحب وأشجار النخيل الوارفة التي تحيطها منحدرات متعرجة، ألسن المسافرين من فرط روعته.

ولم يعد يتردد سوى الصوت الصادر عن كاميراتهم، وهي تلتقط الصور. ونظرا لأننا وصلنا الجزيرة في وقت متأخر من فترة الظهيرة، لم يكن الشاطئ يفتقر إلى حشود السائحين.

لكن مع عدم وجود منتجعات على ارتفاعات شاهقة في الأفق، أو باعة متجولين يمارسون ضغوطا على الزوار لشراء بضائعهم من الهدايا التذكارية أو المأكولات الخفيفة، ظل الشاطئ محتفظا بطابعه الساحر الذي كان عليه عندما بدأ عرض فيلم ليوناردو دي كابريو.

ومع حلول الظلال، غادرت أخر القوارب السياحية الجزيرة، وحل في نهاية المطاف وقت الاستكشاف الحق لمعالمها.

وخلال سيرنا على الرمال الناعمة الرطبة، دون أن ينير لنا الطريق سوى ضوء خافت قادم من قاربنا الراسي غير بعيد، كان من اليسير علينا تخيل أننا أول من وطأ ثرى هذه الجزيرة على الإطلاق.

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption الشاطيء حينما يخلو من الزوار

وباستثناء صوت الموج الذي يتكسر على الشاطئ، كان هدوء ذو طابع حزين يخيم تقريبا على الأجواء؛ في بادرة ترحيب تريح الخاطر، بعد الإيقاع الصاخب الذي اعتدته خلال الليالي التي قضيتها على جزيرة "بي بي دون".

ولكي يتسنى لنا الشعور بحق بالطابع الذي تتسم به الجزيرة خلال الليل، اصطحبنا المرشدون السياحيون المرافقون لنا في رحلة جبنا خلالها دروبها الرملية التي لا يحمل أي منها علامات مميزة.

سرت وراء هؤلاء بتردد، وأنا ممسكة بالمصباح في يدي، وسط ظلام من قبيل ذاك الذي يسود الغابات، فهو ظلام دامس يموج بظلال كالأشباح بفعل الأحراش والأشجار المحيطة.

وقد أثبت أحد مرشدينا، ويدعى كوكو، خبرته في رصد أكثر سكان هذه الجزيرة ندرة: وهو حيوان السرطان متسلق الأشجار.

ويزيد حجم هذا النوع من السرطانات كثيرا عن الحجم الصغير الذي تتخذه الحيوانات القشرية من نوع السرطان الناسك، وسرطان الرمال، التي تُشاهد عادة على الشواطئ التايلاندية. ولدى السرطانات متسلقة الأشجار مقابض قوية، تمنحها قدرة فريدة على الصعود إلى قمم الأشجار.

وفي خطوة انتزعت صرخات الفرح الحادة من أفواه أفراد مجموعتنا؛ رفع كوكو بيده واحدا من تلك الحيوانات، مؤكدا لنا أنه على الرغم من أن حجم كل منها يقارب حجم وجه الإنسان؛ فإنها تخشى البشر للغاية، ولن تلحق بنا أي ضرر.

وتشكل حيوانات السرطان متسلق الأشجار الكائنات الحية الأكبر حجما على هذه الجزيرة التايلاندية، التي لا تساعد الظروف السائدة فيها كثيرا على ازدهار مظاهر الحياة البرية، رغم ثرائها بالحياة النباتية.

ونظرا للحظر المفروض على مبيت الزوار داخل الجزيرة، عدنا أدراجنا إلى القارب لكي نخلد للنوم؛ فقط لنجد بانتظارنا مفاجأة إضافية: سباحة منتصف الليل.

لكن المياه التي كانت في فترة ما بعد الظهر ذات لون أزرق صافٍ شفاف، باتت الآن سوداء اللون، وهو ما يخفي بسهولة أي أخطار تكمن تحت السطح.

مصدر الصورة Colleen Hagerty
Image caption تمتاز الجزيرة بالمنحدرات التي تتكون من صخور الحجر الجيري

ولكن لحسن الحظ، فبدلا من أن تحفل مياه البحر بكائنات مفترسة، كانت غاصة بعوالق بحرية مضيئة ذاتيا. وتتوهج هذه العوالق، دقيقة الحجم، على نحو زاهٍ عندما تجري إثارتها، وذلك في رد فعل كيماوي يشبه كثيرا ذاك الذي يصدر من اليراعات، وهي ذبابات تطير خلال الليل بذَنَبٍ مضيء.

وحتى يتسنى رؤية تلك العوالق البحرية، يتعين أن تتضافر العديد من العوامل البيئية، التي لا يمكن التنبؤ بتوقيت حدوثها في ذات الوقت، ولذا كنا محظوظين بشدة، لأنه تسنى لنا رؤية ذاك العرض الساحر للأضواء، الذي بارى في روعته سطوع النجوم من فوقنا.

غير أن تجربة المبيت على متن القارب لم تكن ضربا من الترف، إذ لم يكن متوفرا لكل منّا سوى حشية (أو مرتبة) من الإسفنج، وكيس للنوم، ووسادة صغيرة الحجم. ولكن الاهتزاز اللطيف للقارب والنسيم العليل، جعلاني أخلد سريعا للنوم.

في الصباح التالي، ومع بزوغ الشمس، سنحت لنا فرصة للقيام بزيارة أخرى للشاطئ الخالي، قبل العودة للقوارب السياحية وإلى الجزيرة.

وبعد سباحة أخيرة في مياه خليج بيلى القريب، عدنا إلى صخب جزيرة "بي بي دون". هناك، أغلقت عينيّ، غارقة بالفعل في أحلام يقظة تتعلق بتلك الليلة التي قضيتها على أرض تلك الجزيرة المقفرة من البشر.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة