هل انتهى عهد مستويات الإدارة الوسطى في أماكن العمل؟

مصدر الصورة Thinkstock

بينما ينطلق موسم الانتخابات الأمريكية، يطرح السياسيون الأمريكيون خططهم المعتادة التي تتحدث عن خلق فرص عمل لأبناء الطبقة المتوسطة. إنه شعور رائع، ولكن إذا كانوا يتحدثون عن الطبقة المتوسطة التي تعودت على شغل المناصب الوسطى في إدارة الشركات والمؤسسات المنتشرة بطول البلاد وعرضها، يؤسفني إبلاغكم بأن الفرصة قد فاتت.

الحقيقة المرة هي أن مستويات الإدارة الوسطى في سبيلها إلى الانقراض. صحيح، سيظل هناك على الدوام أشخاص يشرفون على العمل الذي يقوم به غيرهم. لكن التغيير الحاصل في التقنيات، وبيئة العمل، وشكل الوظائف، جعل كل هذه الأمور تتضافر لتغيير ممارسات كانت تعتبر لفترة طويلة من المعايير الثابتة في عمل الشركات.

لا ينبغي علينا من الآن فصاعداً أن نتوقع صعود المديرين على السلم الوظيفي التقليدي ليشغلوا مراكز أعلى، أو حتى الإبقاء على مفهوم مفاده أن المديرين في المناصب الوسطى هم مادة الغراء التي تربط العاملين ببعضهم، وهم من يضمن صف الموظفين ضمن تسلسل هرمي للوصول إلى الغاية المنشودة.

الكمبيوتر كبديل

مع أنه لا بد من الإشادة بالتقدم التقني، إلا أنه لعب دوره بالفعل في التأثير على الوظائف الدنيا. فبرامج الكمبيوتر، ومنها البريد الإلكتروني، تجعل مساعدي المديرين التنفيذيين قادرين على تحمل المزيد من زخم العمل.

كما أن أجهزة الصرف الآلي حلت محل وظيفة الصراف البشري، أو أمين الصندوق المالي، وألغى موقع أمازون ـ على الإنترنت ـ عمل موظفي المبيعات؛ وقللت أجهزة الرد الآلي الهاتفية، عند الاتصال بأرقام الهواتف المجانية، من الحاجة إلى موظفي خدمة العملاء.

وإذا ما صعدنا درجات أعلى في السلم الوظيفي، سنجد أن المشكلة تزداد سوءا، وخاصة مع بعض الوظائف والاختصاصات. ما هو تصوركم عما أحدثته هذه التغييرات على الأشخاص الذين كانوا يشرفون على جميع العاملين في وظائف الخطوط الأمامية للتعامل مع العملاء؟

بالضبط، لم تعد هناك نفس الحاجة السابقة إليهم. إلا أن ما سيحصل سيكون أسوأ بكثير (أو أفضل، إن كنت تمثل شركة تبحث عن تقليص النفقات).

على سبيل المثال، لم يعد مديرو أقسام الموارد البشرية قادرين على مجاراة أنظمة الحلول الحسابية الآلية التي ظهرت حديثا. فهذه التطبيقات الآلية تجيد، بشكل أفضل منهم، تحديد المهارات المطلوبة لوظيفة معينة، وكيفية الحصول على المواهب. وبالتالي، تبدأ الشركات في التساؤل: لِمَ الحاجة إلى جميع مديري الموارد البشرية هؤلاء؟

مصدر الصورة Thinkstock

توجد تطبيقات من شركات مثل "أبل"، و "نيتفليكس"، و "أمازون" للتحليلات المبنية على البيانات. كما أن المديرين الذين اعتادوا على اختيار نوع الموسيقى التي نستمع إليها، أو برامج التلفزيون التي نشاهدها، لم يعودوا قادرين على مجاراة هذه التطبيقات التي يمكنها أن تقيّم بدقة أكبر المحتوى الذي نريده.

عوضاً عن قواعد الممارسة العامة التي يستعملها المديرون لترشدهم إلى إتخاذ القرارات المناسبة، أصبحت البيانات الواقعية المبنية على ممارسات سابقة فعالة بشكل ملحوظ في التنبوء بما نرغب في استهلاكه.

نقلة نوعية ثقافية

لا يُعزى إلغاء كادر الإدارة الوسطى إلى التقدم التقني وحده، إذ أن الإجراءات والأفكار المرتبطة بتأسيس الشركات الناشئة أصبح لها أثرها القوي أيضاً. فمؤسسي مثل هذه الشركات يكرهون وجود مستويات إدارية وسطى.

وفي مجال الشركات الناشئة، نجد أناساً يبتدعون أفكاراً جديدة في مجال إدارة الأعمال، وآخرين يبتكرون تطبيقات وأكواد خاصة، وآخرين يبيعون ما ينتج من ربط تلك الأفكار والتطبيقات معا.

لا تعتمد أي من هذه الوظائف الرئيسية في عالم الشركات الناشئة على المديرين في المستويات الوسطى، حيث يضمن العمل فيها أن ينجز العاملون ما يتوجب على كل منهم القيام به.

وبدلاً من ذلك، تتضمن الشركات الناشئة مفهوماً مفاده أن موظفين أقل يمكنهم القيام بمهام أكثر. ويدفع هذا المفهوم كل فرد داخل الشركة إلى تحمل مسؤوليات أكثر في وظيفته.

أبناء جيل الألفية

لا نشهد تأثيرات التقدم التكنولوجي والتغييرات في مجال التجارة والأعمال، معاً وبشكل طبيعي، أكثر مما نشهده اليوم في تبنّي أبناء جيل الألفية لتلك البيئة التقنية الحديثة في ذلك المجال.

وبالتالي، يعتقد جيل الشباب أن وجود مديرين في مستويات وسطى يشرفون على عملهم، وليس هناك ما يقومون به سوى الإشراف عليهم، بدلا من القيام فعلاً بإنجاز شيء جديد، يمثل لعنة بالنسبة لهؤلاء الشباب. إنهم يتخرجون في الجامعات وهم يؤمنون بأن ما يعرفونه هو أكثر مما يقومون به بالفعل.

من أين تأتي هذه الثقة بالنفس؟ من أولياء أمورهم، بالطبع، الذين ضمنوا لهم المكافأة. فإما النجاح أو الإخفاق.

مصدر الصورة Thinkstock

خلاصة الأمر هي أن أبناء جيل الألفية يتطلعون، وحتى يطالبون، بوظائف تعني شيئاً بالنسبة لهم، ويقومون فيها بإنجاز دور فعال ومؤثر. إن تجميع أبناء هذا الجيل في وظائف هامشية ومطالبتهم برفع تقارير جامدة إلى المديرين في المستويات الوسطى لن ينجح في إبقائهم في وظائفهم.

المضي قدماً

إن جميع هذه التحولات ـ التقدم التكنولوجي وطرق إدارة الأعمال والفئة العمرية للعاملين ـ تؤدي في مجملها إلى عالم يقل فيه دور المديرين في المستويات الوسطى، وبالتالي تقل الحاجة إليهم. لقد بدأ الأمر بالفعل، ولا أرى سبباً يمنع تسارعه.

ليست جميع الأمور سيئة. تزداد المؤسسات التي يعمل فيها الأفراد لينتجوا شيئاً مهما، أكثر من المؤسسات التي يعمل فيها أفراد ليشرفوا على عمل الآخرين. ذلك أمر جيد. كما أن إزدياد أعداد العاملين من جيل الألفية يتزامن مع التغيرات الأخرى المذكورة، مما سيخلق مؤسسات مخصصة لينجزوا فيها ما يريدون. وهذا أيضاً أمر جيد.

ربما تكون الوظائف في بعض قطاعات التجارة والأعمال أقل عرضة للتأثر. وبينما لا نجد مودة في قطاع التكنولوجيا تجاه المديرين في المستويات الوسطى، فإن الانتقال من الشركات الناشئة إلى شركات أكبر يتطلب حتماً رقابة إدارية أكثر. وفي أي من قطاعات التجارة والأعمال، ستحتاج الشركات ذات الدخل المتنامي إلى بناء المواهب لإدارة الفرص الجديدة.

كانت التقنية على الدوام، ومعها زيادة الانتاج، من أسباب زيادة فرص العمل؛ ونتوقع تزايد المنافسة في هذه الوظائف، ونتوقع أنها ستكون أشد في ضوء التوجهات الأوسع فيما يخص كوادر الإدارة الوسطى.

لكن بالنسبة للذين تأثروا عرضياً بهذا التحول الزلزالي، فلا يبدو الأمر على ما يرام. فبالنسبة للبعض، سيحاولون ركوب الأمواج لأطول زمن ممكن، وقد يفيدهم ذلك لبرهة من الوقت. وعلى الرغم من ضخامة التغييرات الأساسية الجارية، فإن أحداثاً قليلة ستحدث بين عشية وضحاها. هذا ما نأمله.

أما بالنسبة لمن لا يزال أمامهم أفق زمني أطول، فقد حان الوقت لكي يركزوا حقاً على الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ، وذلك برفع مستوى مهاراتهم، أو البحث عن فرص تؤثر مباشرة على سير العمل والانتاج، وليس الإشراف على من ينجزون الأعمال.

كما ينبغي الاعتماد على عقلية تأسيس المشاريع الخاصة، مهما كان حجم الشركة التي يعمل الناس فيها. إن آخر موقع تود أن تشغله هو أن تَعلَقَ في الوسط.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة