الجانب المشرق للمدن الحدودية

مصدر الصورة Paula BronsteinGetty Images
Image caption متسوقون في بلدة "تاجيليك" الحدودية في بورما.

إذا نظرت إلى المناطق الحدودية على أنها أماكن مزعجة، فلن يخيب ظنك في الغالب. لكنك إذا نظرت إليها على حقيقتها، كمناطق ساحرة في كتاب أطلس الخرائط، ستجد أنها تتمتع بإمكانات لا حدود لها.

إن الصعوبة التي يمكن أن نجدها في عبور بعض الحدود بين الدول، تجعل من السهل علينا أن نكره هذه الحدود في المقابل. فالحدود الفاصلة بين الدول تكون في الغالب طويلة، وعادة ما تجعل أمزجة من يمرون بها متوترة، كما أن الأسلحة تنتشر فيها بكثرة.

وتعني الحدود أيضا المرور بمتاعب كثيرة، مثل ملئ الاستمارات، والإجابة عن أسئلة مزعجة، تماماً كذلك النوع من الإزعاج الذي تريد الخلاص منه عندما تنوي السفر. إن مجرد وجود الحدود هو أمر غير مريح، وعائق يفصل المكان الذي تأتي منه عن المكان الذي تريد الوصول إليه.

كما تشكل الحدود عوائق أيضاً. ولا غرابة في أن تختار منظمات خيرية أسماء لها مثل "أطباء بلا حدود"، و"مدرسون بلا حدود" وحتى "مهرجون بلا حدود". (بعد فترة قصيرة ربما نشهد ظهور "رسامو خرائط بلا حدود"). المضمون من هذه الأسماء هو أن الدوافع الإنسانية لا تهتم لوجود تلك القيود والحدود، وخاصة تلك التي فرضها السياسيون.

أما البلدات الحدودية، فيمكن أن تكون أسوأ مما نتخيل؛ فيمكنك أن تجد فيها انتهازية كاملة. وينطبق ذلك أكثر ما ينطبق على بلدة "تاجيليك" الحدودية في بورما. وتمتد أطراف تلك البلدة على طول الحدود التايلاندية؛ وتضم سوقا ضخمة، وهي منطقة مكتظة بأكشاك صغيرة تمتد في جميع الاتجاهات لتعرض كل السلع التي يمكن أن تخطر بالبال.

مصدر الصورة Paula BronsteinGetty Images
Image caption معبر "واجاه" الحدودي الذي يفصل بين الهند وباكستان

ومنذ اللحظة التي وطأت فيها تلك البلدة وحتى وقت مغادرتها بعد بضع ساعات، تبعني عن قرب شاب يتكلم بلغة إنجليزية مقبولة وابتسامة تُبعد الشكوك. كان الشاب مصرا على أن يبيعني أقراص فيديو مقرصنة، وسلعاً أخرى مزورة تماثل تصميم "لوي فيتون"، وحبوب "فياغرا" من السوق السوداء.

ما مرّ علينا حتى الآن ليس إلا جزءا بسيطا من صفات البلدات الحدودية، وهو جزء قليل من القصة الكاملة للمدن الحدودية. فالحدود لها غرض معين، كما يمكن للبعض أن يجد المتعة وحتى الجمال وسط الأسلاك الشائكة، وإصرار الباعة المتجولين.

كما تشمل حدود الدول، رغم مستوياتها المحدودة، بعض المتناقضات. ويقال إن الزمن ما هو إلا وسيلة مميزة للطبيعة لضمان عدم حدوث جميع الأمور في وقت واحد. وعلى نفس الشاكلة، ليست الحدود إلا وسيلة مميزة للبشر لضمان عدم حدوث جميع الأمور في نفس المكان.

في بعض المناطق الحدودية، تتواصل الحياة على أحد الجانبين بشكل صارخ عما هي عليه في الجانب الآخر. كان شعوري بذلك الأمر على أشده عند زيارتي لمدينة برلين عندما كانت لا تزال مقسّمة.

وبعد عبوري من برلين الغربية إلى برلين الشرقية (بعد إجراءات شملت ملئ إستمارات كثيرة، وتوتراً رهيبا يشيب له الرأس، لم أشهد مثله من قبل)، راودني شعور وكأن قدماي لم تطأ فقط بلداً آخر، بل وطأت عالماً آخر، عالمٌ يكسوه اللونان الأسود والأبيض بشكل كامل، في تناقض حاد مع طبيعة العيش المليئة بالزخارف والتنوع التي تركتها خلفي على الجانب الآخر.

مصدر الصورة Gerard Malie AFP Getty Images
Image caption فتح نقطة عبور في جدار برلين، نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989.

يمكن للحدود أن تعمل مراكزا للإغاثة أيضا. ففي معبر "واجاه" الحدودي الذي يفصل الهند عن باكستان، اندهشت من ذلك المنظر؛ فهناك جنود من الدولتين يرفعون أقدامهم في الهواء ثم يخطون خطواتهم بغضب، ولا يفصل بينهم سوى بضعة أمتار. أدركتُ أن هذه الحركات اليومية التي تأتي في شكل مراسم تقليدية متفق عليها بين البلدين تساعد في منع اندلاع عنف حقيقي مرة أخرى على تلك الحدود.

أحياناً، تكون الحدود مضحكة تقريباً بسبب ما فيها من تقسيم يبدو متعسفا. فالحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا على سبيل المثال تقسم بلدتي "داربي لين" بولاية فرجينيا (الأمريكية) و"ستانستيد" بمقاطعة كيبك (الكندية) بشكل يثير الضحك. فالخط الفاصل بين البلدين يمر مباشرة عبر مكتبة كنت قد زرتها مؤخراً، ويقسمها نصفين.

كانت متعة عظيمة بعد أن تتصفح قصص الخيال العلمي في كندا ثم تسير لبضع خطوات لإلقاء نظرة على كتب المساعدة الذاتية في الجانب الآخر من المكتبة الذي يقع في الولايات المتحدة الأمريكية. كان هناك شريط لاصق على أرضية المكتبة ليرسم الحدود الفاصلة بين البلدين داخل تلك المكتبة.

مصدر الصورة Getty
Image caption يواجه حرس الحدود الهنود والباكستانيين بعضهم الآخر عند إجراء المراسيم الاحتفالية على الحدود.

حتى السمعة الردئية التي تشتهر بها بعض البلدات الحدودية تأتي في صورة بديعة على نحو ما. كما يجد مثل هذا الترابط التجاري جذوره في أسباب اقتصادية معقولة. في العادة، يوجد فرق لا نهائي بين الشراء بسعرٍ منخفض والبيع بسعرٍ مرتفع.

أما في البلدات الحدودية، فإن هذا الفرق يكون أكثر وضوحا. لذا، فإن الأشخاص أصحاب الحيل، والمغامرين أيضاً، يجدون فرصاً لهم في هذه الأماكن. فهل يمكن أن تلومهم؟ تمثل الحدود شقوقاً في جدران التجارة، وبالنسبة للأشخاص المغامرين، تعني هذه الشقوق فرصاً لجني الأرباح.

تحتل هذه الأماكن البينية مراكز مستقلة بعيداً عن القواعد والأنظمة الاعتيادية التي تحكم بقية أجزاء العالم. فهناك شيء ما يتعلق بحياتها الفظة، وطاقتها البحتة، وعدم الاكتراث بمواقعها الخطرة. هذه الأمور جميعها تولد لدي إحساساً لا يقاوم.

مصدر الصورة Joe Raedle Getty Images
Image caption دورية حرس الحدود في مكتبة "هاسكيل فري" الحدودية بين أمريكا وكندا

نعم الحدود الفاصلة بكل أشكالها هي مفيدة وضرورية، وينطبق ذلك القول حتى على المبدعين. لم يكن "روبرت فروست" إلا واحداً من الشعراء الذين شبّهوا مرة كتابة قصائد الشعر الحر بـ"لعب كرة التنس بدون شبكة". وتكمن الحقيقة في أننا نتوقُ لوضع حدود لكل شيء ونضيع بدونها.

توصلت بعض الأبحاث والدراسات إلى أننا نكون في قمة إبداعنا، ليس عندما تتوافر لنا حرية مطلقة، بل عندما نواجه قيوداً في حياتنا. في إحدى الدراسات الكلاسيكية، طلب العالم النفسي "رونالد فينك" من المشاركين في الدراسة أن يبتكروا مشروعاً فنياً.

وأُعطي البعض منهم مجموعة متنوعة من المواد، وأعطى البعض الآخر موادا أقل كمية. وكانت النتيجة هي أن أكثر الأعمال إبداعاً كانت تلك التي أنتجها الأشخاص الذين كانت لديهم خيارات أقلـ بمعنى آخر، أولئك الذين واجهوا قيودا أكثر.

ولك أن تتخيل أولئك الفنانين الذين تفوقوا رغم القيود التي واجهوها. لكن في الحقيقة، بسبب هذه القيود، أصبح هؤلاء الفنانون من المشاهير. فلم تثنيهم مواجهتهم للعوائق عن النجاح.

وعلى نفس الشاكلة، فإن لاعب تنس جيد لن يلعن الشبكة عندما يدخل الملعب. وأعتقد أن نفس الشيء ينطبق على المسافرين عبر الحدود.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Travel.

المزيد حول هذه القصة