ما الذي يجذب المغتربين لمدينة بوينس آيرس؟

عندما تتخيل الفن المعماري وثقافة ارتياد المقاهي في باريس، والطعام والموضة في ميلانو، والتمتع بالليالي حتى وقت الفجر في مدريد، عندها ستدرك جاذبية مدينة بوينس آيرس التي تجمع بعضاً من أفضل ما في تلك المدن، وبأسعار أقل بنحو 30 في المئة.

تقول جوانا ريتشاردسن، وهي مؤلفة مشاركة لكتاب مرحبا بوينس آيرس، عن تلك المدينة: "يشعر الناس على الفور بأنهم في أوطانهم".

كانت ريتشاردسن قد انتقلت لتعيش في هذه المدينة الأرجنتينية من بريطانيا قبل 30 عاماً، ويعد الكتاب الذي شاركت في تأليفه دليلا لمعالم المدينة ظل يطبع منذ فترة طويلة لنحو 30 ألف شخص من الوافدين الذين يتحدثون باللغة الانجليزية.

وفيما عدا كونها مهد رقصة التانغو الشهيرة، تجتذب مدينة بوينس آيرس الوافدين إليها لأسباب أخرى. لقد أصبحت ساحة ثقافية لجميع الميادين، حيث تجد فيها مكتبات ومسارح تُعدّ أكثر من أية مدينة أخرى في العالم بالنسبة لعدد السكان.

التعليم العام مجاني، ويُصنف نظام الرعاية الصحية على أنه من بين أفضل النظم، وتصنف معدلات السلامة الشخصية أيضا على أنها أعلى من جميع المدن الأخرى في أمريكا اللاتينية، ما عدا مدينة سانتياغو، عاصمة تشيلي، وذلك استناداً إلى "مؤشر المدن الآمنة" لعام 2015.

يعيش في هذه المدينة المترامية الأطراف 13 مليون نسمة. وكانت في حقبة ما أغنى المدن في العالم. ولا تزال تبدو كذلك إلى حد ما. لكن الحالة المتداعية لبنيتها التحتية، والمستويات العالية من الفقر ليست إلا أمور قد تختفي عن الأنظار في البداية، لكن يكتشفها الوافدون بسرعة.

تقول ريتشاردسن: "بوينس آيرس مدينة ستُدهشك باستمرار، غير أنها ليست مدينة هيّنة. لا يمكن توقُّعها إلى حد أنها يمكن أن تكون فاتنة ومُحبِطة في نفس الوقت."

إن الفساد وسوء الإدارة قد شوّها النمو الاقتصادي للأرجنتين، وفي القرن الأخير، مرت بدورات دائمة من الازدهار والكساد. وقد حدث فيها آخر كساد كبير في عام 2001، عندما عانت الأرجنتين من أضخم عجز على الإطلاق لسداد الديون السيادية.

كانت نتيجة ذلك أمر واحد: لقد انهارت تكاليف المعيشة، وأشعل ذلك الانهيار حمى البحث عن الأجانب، غير أنه الآن مصدر الكثير من الذعر. وهناك عراقيل تواجهها في كثير من الأمور، من فتح حساب بنكي، ودفع تأمين شقة سكنية. يجب على القادمين الجدد أن يتهيأوا للدخول في مثل تلك المنافسات والمناوشات.

إليكم ما تحتاجون معرفته إذا فكرتم في الانتقال للعيش في بوينس آيرس في المرة القادمة.

الأمور المالية

للأرجنتين حالة معقدة من ناحية العملات نجمت عن القيود المفروضة منذ عام 2011 على شراء الدولارات الأمريكية. إن إزدياد الطلب على العملة الخضراء من قبل سكان الأرجنتين الذين سئموا من عملة البيزو المحلية، أدى إلى أسعار صرف موازية: فهناك سعر صرف رسمي من الحكومة، وآخر غير رسمي، يسمونه سعر صرف "الدولار الأزرق"، الذي يصل أحياناً إلى أكثر من 60 في المئة من السعر الرسمي.

توجد مكاتب صرافة في كل مكان تقريباً للحصول على "الدولار الأزرق"، مثل شارع فلويدا، حتى أنه يسهل عليك نسيان عدم شرعية عملية تحويل الأموال هذه من الناحية الفنية (مع أن ذلك شائع إلى درجة أن وسائل الإعلام المحلية تنشر سعري الصرف في البلاد.)

الشراء باستعمال بطاقات الائتمان أو سحب المال من الصراف الآلي سيخضع لسعر الصرف الرسمي. لذا، فإن الكثير من الوافدين يختارون مكاتب الصرافة الخاصة (كاسا دي كامبيور) ليستبدلوا النقد الأجنبي ويحصلوا على سعر صرف أفضل بكثير، أو أنهم يرتبون عملية نقل الأموال عن طريق شركات مثل "زووم".

الوافدون الذي يكسبون مواردهم بالدولارات أو الجنيهات الأسترلينية أو اليورو وتُدفع إلى حساباتهم البنكية خارج البلد سيعيشون حياة راغدة هنيّة في بوينس آيرس. ستكون لهم إمكانية مالية ليحصلوا على خدمات وأمور أخرى ربما كانت بعيدة عن متناولهم في أوطانهم، مثل خدمة المنازل.

أما الذين يكسبون مواردهم بعملة البيزو المحلية ولا يستطيعون الحصول على عملة أجنبية، سيجدون المدينة غالية. ويصل متوسط الأجر الشهري في بوينس آيرس إلى 12,500 بيزو (قرابة 1,370 دولار أمريكي حسب سعر الصرف الرسمي)، استناداً إلى "مستكشف الرواتب"، وهو موقع على الإنترنت للموارد المهنية.

ويمكن لضريبة القيمة المضافة (التي تبلغ 21 في المئة) أن تجعل من بعض البضائع والخدمات أغلى مما هي عليه مقارنة بأوروبا وأمريكا الشمالية.

إيجاد سكن

يرى مايكل كوه، وهو المدير التنفيذي لشركة "كوه إنفيرزينز" أن الفترة الحالية تمثل الوقت المناسب لاستئجار سكن في بوينس آيرس "بسبب كثرة العرض وإشتداد المنافسة"، على حد قوله.

وتتراوح رسوم الإيجارات الشهرية لشقة مفروشة فاخرة في حي "باليرمو" العصري أو حي "بويرتو ماديرو" المترف ما يعادل قرابة 1,500 دولار أمريكي لشقة بغرفة نوم واحدة، و2,000 دولار أمريكي لشقة بغرفتي نوم، وفقا للسيد كوه، الذي يعمل أيضا كمتعهد أمريكي انتقل للعيش في بوينس آيرس عام 2003 وأسس شركة "أبارتمينتس بي.أي." للاستشارات وإدارة العقارات، والتي باعها في عام 2011 قبل أن يؤسس شركته الجديدة.

إن استئجار سكن لفترات قصيرة يكلف أكثر بكثير من إستئجار سكن قياسي بعقد سنتين، حسبما أضاف. إلا أن الحالتين تتطلبان شخصاً ضامناً يملك عقاراً في الأرجنتين. أما الذين لا يمكنهم توفير شخص ضامن، أي صاحب عقار، أو إذا لم تقدم الشركة التي يعملون فيها أية ضمانات، فقد يُطلب منهم دفع إيجار لعدة أشهر مسبقا.

إن شراء شقق مفروشة كتلك التي في حي "بويرتو ماديرو" أو حي "باليرمو" قد يكلف ما بين 150 ألف و 250 ألف دولار أمريكي، حسب المواصفات السابقة.

ووفقا للسيد كوه، فإن الكثير من الوافدين الحاصلين على صفقة الانتقال للعمل يقدرون على شراء شقة ليضعوها تحت إدارة إحدى شركات إدارة العقارات ومن ثم يقومون بإعادة "استئجارها" لأنفسهم دون تجاوز البدل الشهري للاستئجار حسب بنود الصفقة.

مع ذلك، فعلى الذين ينوون شراء عقار أن يكونوا على علم بأن معظم عمليات التداول لشراء عقارات تُدفع نقداً. وتكون الدفعة الأولى هي 30 في المئة من سعر الشراء، وتُدفع مباشرة إلى البائع، ويدفع الباقي عند إكمال الصفقة. علاوة على ذلك، لا يخلو شراء عقار في الأرجنتين من مخاطر وذلك لتكرار حصول التقلبات الاقتصادية. لذا، فإن العملية قد تلائم بشكل أفضل المستثمرين المحترفين.

الحصول على عمل

أدى عدم الاستقرار في الأرجنتين إلى انعدام التجانس في انخفاض الاستثمارات الأجنبية مقارنة بجيرانها. رغم ذلك، فهناك شركات كبرى متعددة الجنسيات في المدينة، بما فيها "إكسون موبيل" و "رينو" و "غوغل".

وتمثل الخدمات المصرفية والتكنولوجيا والنفط والضيافة أكبر مجالات التوظيف للعمالة الوافدة. كما أن بوينس آيرس هي محور تتزايد شعبيته للمبدعين الذين يعملون لحسابهم الخاص وأولئك الذين يعملون عن بُعد لصالح شركات في أمريكا الشمالية وأوروبا، وهم جالسون بارتياح في إحدى مقاهي "باليرمو".

هناك ما يقرب من عشر فئات لتأشيرات الإقامة المؤقتة في الأرجنتين لتختار منها. تشمل الخيارات الرائجة تأشيرة دخول الممولين (تأشيرة مرنة تتطلب إبراز دليل عن مرتب شهري بحد أدنى يُدفع إلى حساب بنكي في مصرف أرجنتيني) وتأشيرة تعاقد الموظفين (سمة دخول للأجانب الذين يتم توظيفهم من قبل شركات أرجنتينية).

يحتاج الوافد أياً كان أن يحصل على بطاقة هوية وطنية لكي يعمل في البلد. وإذا أراد شخص ما العمل في شركة ليست متعددة الجنسيات، فإنه سيحتاج إلى مستوى عالٍ من التفاهم باللغة الإسبانية.

وجد بعض الوافدين، مثل الأمريكي دان بيرلمان، النجاح والتوفيق كأصحاب شركات صغيرة. وكان بيرلمان قد انتقل إلى بوينس آيرس من نيويورك عام 2005 وفتح مطعم "كاسا سلت شيكر"؛ واحد من بين 40 من المطاعم المشابهة في المدينة التي تطبق نهج "مطاعم خلف أبواب مغلقة". وهنا، يستقبل الطباخ ضيوفه ويرحب بهم ليتناولوا وجبات طعامهم وكأنهم في منازلهم.

ويرى بيرلمان أن شراء بيت في حي "ريكوليتا" الراقي وتحويله إلى مطعم خاص كان عملية بسيطة نسبياً، "مع أن القواعد والأنظمة غير واضحة تماماً في هذا الباب، وغالباً ما يُترك المجال لتفسيرات أقوال الموظف المسؤول الذي تلتقي به".

الاستقرار

بوينس آيرس مدينة تضم الكثير من ملامح العالم في ثناياها. غالباً ما تشعر بها كمدينة أوروبية أكثر من كونها أمريكية لاتينية. تبعاً لذلك، قلما يميل الوافدون إليها للشعور بالغربة والصدمة الثقافية مقارنة بغيرها من الأماكن في المنطقة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالطعام.

وسوف تجد أطعمة ذات نكهات مألوفة بشكل عام، مثل لحم سجق البقر الطري (لحم الخاصرة)، ولحم "لومو" (المتن)، والمعكرونة، والبيتزا، و الكرواسون.

تقول ريتشاردسن إن إحدى الشكاوى التي غالباً ما تصل إلى أسماعها هي صعوبة مصادقة سكان الأرجنتين. وتضيف: "أقول لهم إن أفضل أمرٍ هو إيجاد فعالية أو نشاط تستمتعون به حقاً، إنشغلوا به واستثمروه. أهل الأرجنتين هم في الحقيقة ودودون جداً، ومهما كانت اهتماماتكم أو هواياتكم، فستجدون شخصاً ما، في مكان ما من بوينس آيرس، وهو يمارسها."

تعلُّم المحادثة بالإسبانية هو أفضل طريقة لتشعر بأنك جزء من المجتمع، حسبما أضافت. تكتظ بوينس آيرس بمدارس اللغات. أما البديل عن ذلك فيكمن في ولع الأرجنتينيين المهنيين بتعلم اللغة الأنجليزية؛ وسيعرضون عليكم مبادلتهم تعليم اللغة مجاناً.

ينبغي شمول الزوجين والأطفال عند الحصول على تأشيرة العمل والإقامة للعمالة الوافدة. تُمنح تأشيرة الإقامة لهم على حدة، مما يتيح لهم العمل بحرية خلال فترة عقد العمل.

إن معظم الوافدين من أولياء أمور الأطفال الصغار يرسلونهم إلى مدارس خاصة تقدم برامج بلغتين وشهادة البكالوريا العالمية. رغم ذلك، فليكن معلوما لديك أن الرسوم وتكاليف التدريس السنوية قد تصل إلى 30 ألف دولار أمريكي بمدارس الدرجة الأولى.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة