راتب أعلى أم عدد ساعات عمل أقل؟

مصدر الصورة Thinkstock

قد تحصل على عروض للقيام ببعض الأعمال المربحة في منزلك خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقد تكتفي بالذهاب إلى عملك لكنك ستحصل على راتب أقل، فما هو الأفضل بالنسبة لك؟

لم يعد هناك فاصل يذكر بين العمل والحياة الخاصة في عالم اليوم الذي بات متواصلا على نحو متزايد.

يفضل البعض ذلك، لكن أخرين يرون الأمر مرهق ومربك للغاية. وبغض النظر عن وجهة نظرك في ذلك، يظل الخيار صعبا جدا.

فهل يتعين عليك أن تسعى وراء مهنة أو مركز وظيفي بفرص كثيرة لكنه يتطلب منك العمل ـ أو على الأقل أن تكون متأهباً للعمل ـ بعد أوقات الدوام؟ أم ينبغي عليك اختيار مهنة تتيح لك التفرغ بعد انتهاء يوم العمل، لكنها ستكون على الأرجح براتب أقل وبفرصٍ أقل للتقدم في الوظيفة؟

كان القرار سهلاً لجين فاربر دوهي المقيمة في مدينة سياتل الأمريكية، فقبل أن تبدأ العمل بتجهيز وتقديم القهوة للزبائن في مقهى "ستاربَكس"، عملت فاربر في وظائف متنوعة شملت بيع مستلزمات المطاعم والأجهزة الطبية، والعمل كموظفة في مجال الخدمات الاجتماعية.

كان العامل المشترك في جميع هذه الوظائف هو العمل بدون توقف، إذ كانت تلك الوظائف تلاحقها إلى المنزل بعد انتهاء يوم العمل، بطريقة أو بأخرى، سواء من خلال متابعة الرسائل الالكترونية أم متابعة مريض تتدهور حالته.

لكن ذلك تغير عندما قررت دوهي التخلي عن تلك الوظائف التي تدرّ أكثر وتقدمت للعمل في "ستاربَكس"، وكان هذا هو ما تحتاجه في تلك الفترة، إذ كانت منهمكة للغاية في رعاية وتربية ولدها الصغير وابنتي زوجها المراهقتين.

تقول دوهي: "يمكنك أن تترك مهام العمل ومشاغله حالما تخرج من الباب ولا تفكر بها حتى اليوم التالي."

ومع ذلك، فبالنسبة للبقية منا لا يكون قرار فقدان المكسب الأكثر سهلاً.

التصور الكامل للوضع

تقول ريبيكا كيكي واينغارتن، مدربة واستشارية للمهن والوظائف التنفيذية وتقيم في ولاية نيويورك، في رسالة الكترونية، إنه يجب التفكير في الهدف النهائي بدلا من إجراء مقارنة بين مسارين مختلفين في العمل، وهو ما قد يجعلك تصل إلى مركز تنفيذي أو تتقاعد مبكرا أو تتمتع بأجازات أكثر.

يتعين عليك أيضا أن تحدد أولوياتك في الحياة الخاصة والعمل، إضافة إلى أولوياتك فيما يخص هويتك كمهني ومحترف. تقول واينغارتن: "عندما تضع هدفك النهائي في الحسبان، يكون من السهل عليك الإجابة على الأسئلة، وما سيرشدك في نهاية المطاف إلى اتخاذ القرار الصائب، حسب حالة كل شخص."

تطلب واينغارتن من الشخص أن يسأل نفسه السؤال التالي: ما هو موقع طموحك ونجاحك المهني على قائمة أهدافك في الحياة؟ "بالنسبة للبعض، وفي لحظات معينة من حياتهم، يعد هذا هو أهم شيء." إذا كان ذلك صحيحاً، فإن علاقاتهم الشخصية تحتل مكانة أدنى. تقول واينغارتن: "ربما يقرر شخص أعزب، في العشرينيات أو الثلاثينيات من عمره، أن يكرس أوقاتاً أكثر لتطوير مهنته ويؤجل التفكير بظروفه العائلية ورغباته."

قرار شخصي

بالنسبة لوالدين عاودا الذهاب إلى العمل بعد وصول مولود جديد، تود واينغارتن أن تسألهما: ما هي أهمية دورهما ضمن الأسرة؟ هل هذا وقت مناسب لكي تستغني العائلة عنهما؟ تقول واينغارتن: "هذا سؤال يُطرح في كثير من الأحيان. يتوجب على كل شخص أن يقرر لنفسه، وبأمانة تامة."

من المهم الأخذ بعين الاعتبار مدى احتياج الناس لهويتهم المهنية، إضافة إلى الطاقة والشعور بالإنجاز الذي يحصلون عليه من العمل، حسب واينغارتن، التي تقول: "عملت مع أمهات شغلن مناصب بمستويات إدارية تنفيذية ثم قررن التفرغ للمنزل بعد أن وضعن. والسبب في ذلك هو اعتقادهن بأن ذلك كان ما ينبغي عليهن القيام به. البعض منهن كن مقتنعات بذلك، في حين شعرت أخريات بالتعاسة؛ وأصبح قسم منهن فعلاً مرضى، جسمانياً أو نفسياً."

اختيار سهل بالنسبة للبعض

بالنسبة لبعض الأشخاص المحظوظين، الاختيار ما بين العمل طوال النهار وحتى المساء وعمل آخر ينتهي حالما تُغلق الأبواب، هو أمر سهل ـ خاصة إذا لم تكن المسائل المالية مصدر قلق كبير. يعتمد الأمر كله على الاحتياجات الشخصية والمهنية والظروف المحيطة، حسب ما جاء في رسالة الكترونية لكونستانتين كوروتوف، مدير مركز بحوث تنمية القيادات في المدرسة الأوربية للإدارة والتكنولوجيا والمقيم في برلين.

يرى كوروتوف أن العمل بالنسبة لكثيرين هو "المصدر الوحيد للطاقة والتحفيز والشعور بالانتماء وبأن الحياة لها معنى."

كما يمكن أن يكون العمل مَهرباً عندما يواجه الشخص ظروفا صعبة في حياته، مثل مغادرة الأولاد للمنزل أو الطلاق أو وفاة شريك الحياة، حسب كوروتوف، الذي يضيف: "في الحقيقة، يعني ’توازن الحياة والعمل‘ لهؤلاء الأشخاص في ذلك الوقت المحدد من حياتهم تكريس جل وقتهم للعمل". ويمكن لهذا أن يتغير إذا ما وقع المرء في الحب.

لكن هذا القرار يكون أكثر تعقيدا بكثير لمن له اهتمامات شخصية قوية بعيداً عن العمل ويعيش مع عدد كبير من الأشخاص الذين يحبهم. يقول كوروتوف: "أحياناً، يُعتبر القيام بمزيد من مهام العمل في المنزل إستثماراً في مستقبل الأسرة".

بالطبع، هناك مخاطر كامنة للقيام بالعمل في المنزل، مثل التأثير على الترابط الاجتماعي (من ذا الذي لديه وقت يقضيه مع أفراد الأسرة عندما تستمر مهام العمل داخل البيت؟) أو أوقات أقل لقضائها في الأنشطة المرحة مع شريك الحياة أو الأطفال، علاوة على أن إنتاجية العمل تقل بسبب قلة الوقت المتوفر للراحة وإعادة النشاط.

أهداف آنية ولاحقة

عند اتخاذ قرار السير في أحد المسارين، يجب أن يكون واضحاً لديك أيهما "سيكون الأفضل لتحقيق أهدافك المهنية على المدى القصير والبعيد"، حسب جيسي سيغال، مدير إداري بارز بمجموعة "إكزيكو/سيرش"، الذي قال في رسالة الكترونية: "إذا كان العمل الذي يتطلب منك وقتاً أكثر من حياتك الخاصة يتماشى مع اهتماماتك وأهدافك المهنية على المدى البعيد، فلن تشعر أن مهام العمل الإضافية عبء كبير عليك."

أما إذا لم تساعدك التزاماتك الشخصية على تكريس نفسك بالكامل لمركز وظيفي ذي مسؤوليات كثيرة، فعليك أن تسأل نفسك إذا ما كنت "راغباً وقادراً على التخلي عن راتب أعلى مقابل مسؤوليات أقل"، حسب سيغال.

تدوين على ورق

توصي جين ماتسون، نائبة رئيس مؤسسة "كيستون أسوشيتيس" لاستشارات إدارة المهن والتي تتخذ من بوسطن مقرا لها، بوضع جدول بيانات يحوي في أحد أعمدته مكونات العمل المعروض وتسجل في عمود آخر أهدافك المهنية وقيمك والعوامل التي ترضي متطلباتك المهنية أو ’المخيبة للأمل‘.

تقول ماتسون: "لا تقارن فرصة عمل بأخرى، بل قارنها بالوظيفة التي تبحث عنها. سيساعدك ذلك في اتخاذ قرار صائب فيما يتعلق بمهنتك، بما يلائمك ويلائم عائلتك. ربما تمر بنقطة تحوّل في مسيرتك المهنية يصبح فيها من الأفضل مغادرة محل العمل بعد انتهاء أوقات الدوام، بدل كسب المزيد من المال."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة