هل تؤثر هجمات باريس على الخدمات المصرفية الإسلامية؟

مصدر الصورة Thinkstock

هل ستؤدي المأساة التي وقعت في باريس إلى تغيير مستقبل الخدمات المصرفية القائمة على الشريعة الإسلامية؟

عندما وقف داوود عبد الله أمام قاعة مكتظة بالحاضرين في مؤتمر التأمين الدولي بمدينة دي موين بولاية أيوا الأمريكية، شعر بأن التوتر يملأ أجواء القاعة.

كان عبد الله هناك لإلقاء كلمة عن قطاع إقراض الأموال وفقا للشريعة الإسلامية، في مكان يعتبر فيه المسلمون غرباء. وقال عبد الله، الذي يعمل رئيساً ومديراً تنفيذياً للمركز الدولي لتعليم التمويل الإسلامي في ماليزيا، للمجتمعين إن هدف التمويل الإسلامي بسيط ويتمثل في ضمان الممارسات الأخلاقية في التجارة والأعمال.

ويمنع التمويل الإسلامي القائم على قوانين الشريعة المسلمين من الاستثمار في مشاريع يباع فيها الخمر أو لحم الخنزير على سبيل المثال. لكن الأهم بالنسبة للبنوك، أنه يمنع أيضا جني أرباح من إقراض المال، بمعني أن تكون معظم الصفقات والاتفاقات مدعومة من الأصول وليس الفائدة.

وبعد أن فرغ عبد الله من حديثه، ارتفعت الأيدي بين الحضور الذين يصل عددهم إلى 400 شخص. واستمرت الأسئلة لوقت طويل للغاية لدرجة أن الوقت شارف على الانتهاء. وبعد ذلك جاء ما يتراوح بين 40 و50 شخصا إلى عبد الله بمزيد من الاستفسار عن قوانين الشريعة وعن كيفية دخولهم إلى مجال التمويل الإسلامي.

يتذكر عبد الله ما حدث قائلا: "قال الناس: يا إلهي، اعتقدنا أنك ستقف وتصرخ الله أكبر، لكن ما قلته كان مدهشاً حقاً. كنت بلا شك متوتراً لكنهم تقبلوني وتقبلوا الموضوع الذي تحدثت عنه".

ومنذ ذلك الحين، وقع العمل الإرهابي في باريس والذي يعد أسوأ هجوم على المدينة منذ الحرب العالمية الثانية، ونجم عنه سقوط 130 قتيلاً، وباتت المشاعر المعادية للإسلام في تنام مستمر وتلقي بظلالها على كل شيء له علاقة بالإسلام. ورغم ذلك، يعتقد عبد الله أن الناس سينظروا إلى ما هو أبعد من الوضع الحالي ويعرفوا أن النظام المصرفي القائم على الشريعة يركز على قيم أخلاقية عليا وهو ما يرجح أن يراه الكثيرون تغييراً إيجابياً.

وقال عبد الله: "التمويل الإسلامي ليس قضية دينية، لكنه قرار اقتصادي مالي. سيكون هناك حاجة بالطبع لمضاعفة الجهود لتبديد المفاهيم والأفكار السلبية التي تنشأ سواء كانت صحيحة أم لا. إنه تحد مستمر، لكنه تحد اعتادت عليه صناعة المال والأعمال وباتت أكثر تأهيلاً للتعاطي معه."

وخلال السنوات الأخيرة، كانت المعاملات البنكية القائمة على الشريعة وكذلك التمويل الإسلامي من أسرع القطاعات نمواً في مجال البنوك والمال في الغرب. يقول محللون إن أحداث الإرهاب الأخيرة لا ينبغي أن تغير هذا الوضع، لكن هناك احتمالا بسيطا أن بعض صانعي القرار في البنوك يمكن أن يتأنوا في توسيع خدماتهم لتشمل قطاع المعاملات الإسلامية.

عامل النمو

كان من النادر وجود التمويل الإسلامي خارج منطقة الشرق الأوسط قبل عشر سنوات، لكن التمويل الاسلامي لاقى قبولاً من البنوك والحكومات مؤخراً في مراكز المال والبنوك في كل من لندن وماليزيا. وفي يوليو / تموز الماضي افتتح أول بنك إسلامي في فرانكفورت بألمانيا.

يقول فيصل كارباني، المؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة شركة الاستشارات الإسلامية البريطانية سيمبلي شريعة في لندن، والتي تساعد الشركات على التكيف مع التعاملات المالية الاسلامية: "بريطانيا أحسنت صنعاً في الترحيب بالتمويل الإسلامي في الوقت الذي كان القلق يساور البلاد غير الإسلامية من هذا المجال. قبل عشر سنوات، لم يكن في السوق شيء له علاقة بالشريعة، أما الآن فهناك حلقات بحث منتظمة وتدريب على التعامل بالتمويل الإسلامي وكثير من البنوك الغربية بدأت تدخل هذا المجال."

وبينما لم يكن أمام المسلمين في البلدان الغربية قبل عشر سنوات خيار سوى استخدام التمويل العادي إلا أن نمو قطاع البنوك الإسلامية يعني أنه بات متوفراً لهم أكثر من السابق. وفي عدد من البلدان، شهد قطاع البنوك الإسلامية نمواً لدرجة أن بنوكاً تتنافس على العملاء المسلمين، والسبب بسيط، وهو أن البنوك ترى فرصة في الاستثمار لدى قطاع من العملاء كانت تخدمه فقط البنوك والشركات العربية.

وبلغت نسبة نمو البنوك الإسلامية 17 في المئة على مستوى العالم خلال السنوات الأخيرة، طبقاً لدراسة تحليلية قامت بها شركة "إيرنست آند يونغ" للاستشارات والتي قدرت أنه بحلول 2019، سيكون في قطاع البنوك الإسلامية رصيد يبلغ 1.8 ترليون وستتضاعف الأرباح ثلاث مرات.

يرجع هذا النمو جزئياً إلى التوسع في أسواق جديدة وكذلك بسبب توفر سيولة كافية في الشرق الأوسط بسبب أموال النفط، حسب ما تقول إيمان عبد الخالق، مديرة قسم أسواق مال الشرق الأوسط في مجموعة سيتي غروب في دبي والتي تضيف: "هناك اهتمام متنام في الغرب بالتمويل الإسلامي في الوقت الذي يصبح فيه هذا القطاع هو الأكثر شيوعاً في المنطقة. ومن هنا لا يمكن للبنوك الرئيسية أن تهمل هذا السوق".

وخلال السنة الماضية، أصدرت بنوك في هونغ كونغ ولوكسمبورغ وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة سندات خزينة إسلامية، كما يقول نجيب الأسود، مدير التمويل الإسلامي في شركة خدمات الضمان والاستشارات للتمويل الإسلامي (IFAAS) التي تتخذ من برمنغهام ببريطانيا مقراً لها.

وفي هونغ كونغ، ستقوم شركة "أر اتش بي لإدارة الأرصدة" بافتتاح صندوقي استثمار إسلامي إضافة إلى الصندوق الذي افتتحته العام الماضي.

ولكي يحدث ذلك، يتعين على كثير من الدول إعادة صياغة قوانينها المالية بطريقة تسمح للتمويل الإسلامي، أو كما هو الحال في ماليزيا، أن تقيم نظاماً مزدوجاً للإشراف على البنوك. لقد بدأ قطاع البنوك الإسلامية في ماليزيا ببنك واحد عام 1969، تلاه قانون عام 1983 يسمح بتوسع هذا القطاع، وإضافة سوق مال إسلامي عام 1994. يقول الأسود: "كل شيء يبدأ بوجود إرادة سياسية لتغيير القوانين المالية".

لكن ليس واضحاً أن تلك الإرادة السياسية ستكون متوفرة بعد هجمات باريس. ومن بين العوائق التي تقف في طريق توسع البنوك الإسلامية في الغرب النقص في تدريب الكوادر التي تحتاج إلى معرفة قواعد التمويل الإسلامي، ولا يمكن للعملاء أن يعرفوا ما إذا كانت تلك البنوك بالفعل نزيهة أم لا، حسب ما يقول كاراباني.

وتقدم الأن عدة مؤسسات دولية، بما فيها معهد إثيكا للتمويل الإسلامي في دبي ومعهد مدراء الحسابات في بريطانيا، شهادات علمية للبنوك وشركات المحاسبة وغيرها من الشركات الراغبة في التوسع في هذا المجال.

منطقة غير مألوفة

لكن حتى مع بدء البنوك الغربية الرئيسية تبني المعاملات الإسلامية، مازال التمويل الإسلامي غير قانوني في بعض البلدان ويصعب إيجاده في بلدان أخرى. في اليابان على سبيل المثال تمنع القوانين المالية البنوك من شراء عقار ومن ثم بيعه ثانية للعملاء كما تفعل البنوك التي تطبق الشريعة في تعاملاتها.

ولكن في فبراير / شباط الماضي أشارت هيئة الخدمات المالية اليابانية إلى أنها قد تبدأ في تسهيل بعض القيود لتسمح للبنوك الإسلامية بالعمل.

يقول كارباني: "مازال هناك حالة من التشكك تجاه البنوك الإسلامية لأن الناس ينظرون إليها على أنها مرتبطة بدين أو معتقد". لكن ذلك مرشح للتغيير عندما يدرك رجال المال والأعمال أنهم يوصدون الباب في وجه قطاع مصرفي ناشيء ومتطور. ويضيف: "كثير من النمو يعود إلى التفكير المالي السليم وليس إلى المشاعر الطيبة".

في الصين تقوم مجموعة "إتش إن إيه"، وهي تكتل من شركات استثمار في مجالات السياحة والطيران، بإصدار ما يعتبر أول تمويل إسلامي في الصين، على شكل سندات تتوافق مع قوانين الشريعة وتقدمت بصفقة بقيمة 150 مليون دولار لشراء سفن.

وفي غضون ذلك، افتتح أول بنك إسلامي في الولايات المتحدة عام 1980، لكن هذا المجال لم يشهد توسعاً منذ ذلك الحين، حسب ما ورد في تقرير من البنك الاحتياطي الفيدرالي. وبينما تقدم بنوك كبيرة مثل سيتي غروب خدمات مالية إسلامية، يوجد بنك أمريكي واحد فقط يقدم خدمات مصرفية حسب قوانين الشريعة، هو University Islamic Financial في ميشيغان.

يقول عبد الله: "تتمثل إحدى القضايا الرئيسية المتعلقة بالتمويل الإسلامي في أنه يساء فهم هذا القطاع."

وقال ديفيد يورشالمي، وهو محام في نيويورك قاد حملة في الولايات المتحدة ضد التمويل الإسلامي، إن المشكلة لا تكمن في فهم تفاصيل وأبعاد هذه الطريقة في التمويل، لكنها تتمثل في أن الالتزام بالشريعة يتطلب لجنة من الخبراء للإشراف على أنشطة البنك في هذا المجال، وهذه اللجان تنتهي عادة بوجود "متطرفين إسلاميين فيها" على حد قوله. ويمضي يروشالمي قائلاً: "عندما تنظر إلى التمويل القائم على الشريعة، تجد الجمهور المستثمر لا يعرف ما الذي يحصل عليه. يعتقد الناس أن البنك يقدم برامج ملتزمة بالشريعة، لكن الذي يحصلون عليه في الواقع هو تمويل بإشراف المتطرفين".

وبعد هجمات باريس، يعتقد يروشالمي أن التمويل القائم على الشريعة سيشهد تباطؤاً لفترة قصيرة ثم يواصل نموه بعد تلاشي المشاعر المعادية للإسلام.

توحيد القواعد

وتحذر عبد الخالق من أن انخفاض أسعار النفط سيؤدي كذلك إلى تباطؤ نمو التمويل الإسلامي، لكن القضية الأكبر هي النقاش الدائر حول تحديد وتعريف القواعد الشرعية. ويتولى الإشراف على القسم الذي تديره ثلاثة من العلماء الذين يقرون الاتفاقات والصفقات ويقومون بالتدقيق المنتظم. لكن البنوك الأخرى تقدم ضمانات أقل من هذا.

تقول عبد الخالق: "لا شك أن هناك نقص في وجود المعايير المشتركة لما هو مطابق أو مخالف للشريعة، لكن هناك اجتهاد مستمر في هذا المجال"

وتعتبر المركز الدولي لتعليم التمويل الإسلامي في كوالالمبور، والذي يضم 30 كلية، إحدى المؤسسات التي تحاول تزويد قطاع التمويل الإسلامي بمعايير موحدة. ففي الكلية التي يتبع لها عبد الله يوجد ثلاث درجات ماجستير ودرجة دكتوراه في التطبيق العملي لقواعد التمويل الإسلامي. ويوجد في الحرم الجامعي للكلية مقر مؤسسة (ISRA) أو أكاديمية البحث الشرعي الدولية للتمويل الإسلامي، التي تأمل أن توحد كافة الجامعات والمؤسسات الحكومية في تعريف التمويل الإسلامي.

يرغب عبد الله أن يتولى الغرب احتضان الفكرة القائلة بأن التمويل الإسلامي ليس مجرد ما هو مسموح وجائز بل ما هو أخلاقي. الشريعة الإسلامية تقول إن التمويل يجب أن يكون في مصلحة الجمهور، كما يقول، مما يعني أن البنوك الملتزمة بالشريعة لا يمكنها استخدام المال لشراء جرافات تستخدم لتدمير الغابات الطبيعية.

يقول عبد الله: "شهدت السنوات القليلة الماضية فقداً للثقة في النظام المالي. تقدم الشريعة الإسلامية بديلاً لهذا النظام. الشريعة تعني نطاماً مالياً أخلاقياً ومسئولاً."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة